خاص – مجلة 24
احدثت "الحرب التجارية " المستمرة، التي تتسم بالنزاعات التجارية والمناورات الجيوسياسية، موجاتٍ من التقلبات في الاقتصاد العالمي، وتؤثر على أسواق السلع الأساسية الرئيسية مثل النفط والذهب والعملات الرقمية .
وتفاعل سوق النفط وشهد تقلبات مع تصاعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند . وقد ضغطت المخاوف من أن تؤدي هذه النزاعات إلى إبطاء النشاط الاقتصادي العالمي وتقليل استهلاك النفط على أسعار الخام،
في الوقت نفسه، يستفيد الذهب من حالة عدم اليقين التي تضغط على النفط. ويدعم أسعار الذهب زيادة عمليات الشراء من قبل البنوك المركزية، وارتفاع الطلب على أصول الملاذ الآمن في ظل عدم الاستقرار الاقتصادي، ومخاوف التضخم، والتوترات الجيوسياسية. يُشكّل الدولار الأميركي عاملاً مشتركاً؛ فضعفه قد يُخفّض تكلفة النفط المُقيَّم بالدولار، ولكنه غالباً ما يُعزّز جاذبية الذهب خلال فترات عدم اليقين .
وتعمل العملات الرقمية بديناميكيات مُختلفة، إلا أنها ليست بمنأى عن تقلبات السوق الأوسع. أسعارها شديدة التأثر بمشاعر المستثمرين - فالتفاؤل يُغذّي ارتفاعات الأسعار، بينما يُحفّز الخوف عمليات بيع واسعة النطاق، مما يُؤدّي إلى تقلبات عالية.
هذه الاجواء طرحتها "مجلة 24 " على رئيس جمعية المصارف في مملكة البحرين الدكتور عدنان يوسف وخرجت بالحوار التالي
*هل يؤدي عدم توصل الهند والصين إلى اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة إلى حرب تجارية؟
-العلاقات التجارية بين كل من الصين والهند من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى، تمرّ بمرحلة دقيقة تتسم بالحذر والتوتر.
رغم الاتفاقات الجزئية التي أُبرمت بين بكين وواشنطن خلال الفترة الأخيرة، إلا أن العلاقة ظلت محفوفة بالتوتر، خاصة فيما يتعلق بملف التكنولوجيا والرقائق الإلكترونية:
في يونيو 2025، أعلنت الإدارة الأميركية عن توسيع العقوبات على صادرات الرقائق المتقدمة إلى الصين، متذرعة باعتبارات الأمن القومي. وردّت الصين بفرض قيود جمركية على واردات زراعية أميركية، وفرضت رقابة صارمة على تصدير المعادن النادرة.
بينما الهند انسحبت من الجولة الثالثة من مفاوضات “الإطار الاقتصادي لمنطقة الإندو-باسيفيك”، بسبب ما وصفته بـ”إملاءات غير متوازنة” من واشنطن، خصوصًا في ما يتعلق بالملكية الفكرية والدعم الصناعي المحلي.
ولكنني اعتقد أننا لسنا بعد في قلب حرب تجارية شاملة، لكن المؤشرات تقود إلى تصاعد الخلافات وتحولها إلى “حرب تجارية موضعية”، خصوصًا في القطاعات التقنية، والطاقة، والزراعة.
بحسب تقرير صندوق النقد الدولي الصادر في يوليو 2025، فأن استمرار التصعيد التجاري بين الولايات المتحدة وشركائها الآسيويين قد يؤدي إلى خفض النمو العالمي بمقدار 0.7 نقطة مئوية خلال 2025–2026.
*كيف تنظر إلى واقع سوق النفط في ظل العقوبات على مستوردي النفط الروسي وقرار أوبك بزيادة الإنتاج؟
- سوق النفط العالمي حالياً يواجه ثلاثة عوامل كبرى تتقاطع لتُبقي الأسعار في تقلب مستمر :
أولاً: العقوبات الأميركية على مستوردي النفط الروسي . ففي خطوة تصعيدية، فرضت الولايات المتحدة في يونيو 2025 عقوبات جديدة على شركات شحن آسيوية .
(خصوصًا في الصين والهند) متهمة بنقل النفط الروسي تحت السعر السقفي المفروض (60 دولارًا للبرميل). كذلك شركات تمويل وشحن كانت تعمل ضمن “سوق الظل” لتسهيل بيع النفط الروسي، وخاصة عبر الإمارات وماليزيا ..
ثانيًا: قرار أوبك+ بزيادة الإنتاج: في يوليو 2025، قررت أوبك+ زيادة إنتاجها بمقدار 400 ألف برميل يوميًا اعتبارًا من سبتمبر، في محاولة لاحتواء الأسعار المرتفعة وتلبية الطلب الصيفي المتزايد في آسيا. لكن هذه الزيادة ليست كافية لتعويض النقص الناتج عن العقوبات. بعض الدول مثل نيجيريا وأنغولا تعاني من ضعف القدرة الإنتاجية رغم الحصص الأعلى ..
ثالثًا: الطلب الصيني المرتفع: الصين، رغم تباطؤ اقتصادها، عادت لتكون أحد أكبر مستوردي النفط عالميًا في 2025، مع زيادة في طلب المصافي بنسبة 6.3% على أساس سنوي .
. *هل هناك انشقاق أوروبي حول الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة؟
-نعم، التوقيع على اتفاق “التعاون الصناعي والتجاري المتكامل” بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في يونيو 2025 أدى إلى شرخ سياسي حاد داخل أوروبا ..
ملامح الاتفاق هي تسهيلات لدخول المنتجات الأميركية للأسواق الأوروبية وتخفيض الدعم الأوروبي لصناعات البطاريات والسيارات الكهربائية ووضع قواعد موحدة للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية .
الدول المؤيدة للاتفاق هي ألمانيا وهولندا والدانمارك، حيث ترى في الاتفاق وسيلة لحماية الصناعات الأوروبية من مواجهة “الهيمنة الصينية” ولبناء تحالف عبر الأطلسي. بينما الدول المعارضة هي فرنسا، النمسا، اليونان، والمجر، وترى رأت أن الاتفاق يتنازل عن استقلالية القرار الصناعي الأوروبي .
إن تصاعد الانقسامات الداخلية ضمن الاتحاد الأوروبي بشأن السياسات الاقتصادية من شأنه أن يسهم في تراجع مكانة المفوضية الأوروبية كمفاوض موحّد ..
*هل ستتأثر نسبة النمو الاقتصادي العالمي بالحرب التجارية؟ .
-بالتأكيد. التوترات التجارية الحالية تؤدي إلى إعادة رسم خريطة سلاسل التوريد العالمية، مما ينتج عنه تأثيرات مباشرة تتمثل في ارتفاع تكلفة السلع الوسيطة .
واضطرابات في قطاع التكنولوجيا (خاصة أشباه الموصلات) وتراجع الاستثمارات العابرة للحدود بسبب الضبابية السياسية ..
ووفقا لصندوق النقد الدولي، تم تخفيض النمو العالمي المتوقع لعام 2025 من 3.0% إلى 2.6%. كما تم تخفيض نمو الاقتصادات المتقدمة إلى 1.5% فقط. وأكبر المتضررين هم كوريا الجنوبية، ألمانيا، المكسيك، وتايوان .
وسوف يكون لذلك تبعات عديدة أهمها ارتفاع البطالة في قطاعات التصدير وبطء في تعافي الاستهلاك العالمي وتوتر في أسواق المال الناشئة .
*ما هو مستقبل الدولار في حال أقال ترامب حاكم الاحتياطي الفيدرالي قبل نهاية ولايته؟
-الرئيس ترامب صرّح عدة مرات بأنه “غير راضٍ عن تشدد الفيدرالي وأنه يريد خفضًا سريعًا للفائدة لدعم الصناعة .
في حال أقال ترامب باول فأنه سوف يوجه بذلك ضربة قوية لاستقلالية السياسة النقدية الأميركية وسوف يخلق ردة فعل عنيفة من الأسواق، قد تهز الثقة في الدولار كعملة احتياط.
لكن يبقى الدولار يحتفظ بمكانته كعملة أساسية في التجارة العالمية، حيث أن حصة الدولار من الاحتياطات العالمية انخفضت إلى 57.9% مقابل أكثر من 60% في 2021، لكن لا يوجد بديل فوري منافس بالكامل حتى الآن (لا اليورو، ولا اليوان الصيني) .