الاقتصاد الأميركي بين عاصفة الرسوم الجمركية وشحّ اليد العاملة

    الاقتصاد الأميركي بين عاصفة  الرسوم الجمركية وشحّ اليد العاملة

يشبه الاقتصاد الأميركي اليوم أرضاً عطشى تنتظر المطر. الغيوم تتجمع في السماء، لكن لا أحد يعرف إن كانت ستنزل مطراً خفيفاً ينعش الأرض، أم تتحول إلى سيول جارفة، أم تمرّ بعيداً تاركة الأرض أكثر جفافاً مما كانت عليه.
هذه الغيوم هي السياسات الاقتصادية للرئيس دونالد ترامب: الرسوم الجمركية المرتفعة، خفض الإنفاق الحكومي، والتشدد في ملف الهجرة. جميعها سياسات بدأت تترك بصمتها على مؤشرات النمو والتوظيف والتضخم.
الرسوم المفروضة على معظم الواردات بدأت تتسرب تدريجياً إلى الأسعار. بعض الشركات استطاعت امتصاص الكلفة عبر تقليص نفقات أخرى، لكن مع الشحنات الجديدة، بات تمرير الأعباء إلى المستهلكين أمراً شبه حتمي. هذا ما يفسر ارتفاع مؤشرات الأسعار، خاصة في السلع المستوردة، واندفاع المستهلكين للشراء المبكر قبل زيادات جديدة.
البيانات الأخيرة أظهرت مراجعات سلبية في خلق الوظائف، ما يعني أن السوق أضعف مما بدا سابقاً. في المقابل، أدت السياسات المتشددة ضد الهجرة إلى نقص في اليد العاملة، وهو ما يعزز الضغوط التضخمية من خلال رفع الأجور. هذه المفارقة تضع الاقتصاد أمام خطر “الركود التضخمي” حيث يجتمع التضخم مع ضعف النمو وفرص العمل.
طالما اعتُبرت الولايات المتحدة الوجهة الأكثر استقراراً للاستثمار الصناعي بدأت تفقد بعض بريقها. شركات أجنبية علّقت خططها التوسعية بسبب غموض السياسات الجمركية وصعوبة التنبؤ بتكاليف الإنتاج والتصدير. وتظهر الأرقام تراجعاً في الاستثمار الصناعي خلال 2025 مقارنة بالسنوات السابقة.
رغم أن البورصات الأميركية تسجل أرقاماً قياسية مدفوعة بالتفاؤل حول الذكاء الاصطناعي، إلا أن هذا لا يعكس واقع “الاقتصاد الحقيقي”. الشركات المتوسطة والصغيرة تتحدث عن تباطؤ في الإيرادات وضعف في التوظيف، وهو ما يخلق فجوة بين أداء الأسواق المالية ومعيشة الشارع الأميركي.
الاحتمالات متعددة: تباطؤ معتدل يمكن تجاوزه، أو ركود تضخمي يضغط على النمو والاستهلاك، أو في أفضل الأحوال عودة إلى الاستقرار إذا تم تعديل بعض السياسات. لكن المؤكد أن الأرض الأميركية لا تزال عطشى، وأن المطر القادم — أياً كانت شدته — سيحدد ملامح الاقتصاد في الأشهر المقبلة.