تشهد الساحة اللبنانية في الآونة الأخيرة حراكًا أميركيًا متسارعًا، تمثّل في الزيارات المتكرّرة للمبعوث توماس باراك إلى بيروت، حاملًا ورقة سياسية – أمنية تدعو إلى حصر السلاح بيد الدولة ونشر الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني. هذه المبادرة، التي يُفترض أن تتكامل مع خطة يعدّها الجيش اللبناني لسحب السلاح من حزب الله وبعض المخيمات الفلسطينية، لا تقف عند حدود الأمن والسياسة فحسب، بل تنطوي على أبعاد اقتصادية واجتماعية عميقة، خصوصًا في ظل الانهيار المالي الذي يعيشه لبنان منذ خريف 2019
معضلة الأمن المزدوج
تكشف المبادرة الأميركية عن مأزق لبناني قديم – جديد :
· أمن موازٍ خارج الدولة: نشأ عبر سلاح حزب الله وغيره، فوفّر حماية ظرفية في مراحل معيّنة، لكنه في المقابل أضعف الأمان الوطني الشامل، وزاد من التوتّر والالتباس في علاقة اللبنانيين الشيعة بمحيطهم الداخلي والخارجي .
· أمن الدولة بمعناه النظري: قد يبقى هشًّا إذا لم يُرفق بضمانات حدودية وإجراءات واقعية تطمئن جميع الأطراف، وإلّا فإنه يفتح الباب أمام هواجس متجدّدة وشكوك متبادلة.
بمعنى آخر، فإن نجاح أي مشروع لنزع السلاح أو ضبطه يستحيل ما لم يُرفق بشبكة أمان اقتصادي – اجتماعي تُعيد الاعتبار لدور الدولة وتُغني الناس عن هياكل الأمن الطائفية الموازية .
الأمن بلا اقتصاد... فراغ جديد
تجربة العقود الماضية أثبتت أن الأمن وحده غير كافٍ. فالمواطنون، ولا سيما في الجنوب والبقاع والضاحية، يحتاجون إلى ضمانات عيش وخدمات يومية قبل أي ضمانة أمنية. من هنا يطلّ الحديث الأميركي عن مشاريع اقتصادية كـ"مدينة ترامب الاقتصادية"، التي يُراد تسويقها بوصفها مكافأة لاحقة لحصر السلاح. غير أنّ هذه المشاريع، ما لم تُبْنَ على إصلاحات حقيقية وإدارة شفافة، قد تبقى مجرّد وعود معلّقة تُفاقم خيبة اللبنانيين بدل أن تُعالج أزماتهم. بل إن تحوّلها إلى وعود فارغة قد يُنتج كارثة اجتماعية جديدة فوق الكارثة القائمة .
نحو دولة مواطنة: مسار متكامل
الانتقال من "أمان الطائفة" إلى "أمان الدولة" ليس شعارًا، بل مسارًا عمليًا يقوم على أربعة مرتكزات:
·أمنيًا: استعادة المرجعية الأمنية للدولة عبر مؤسسات مهنية وخطط دفاعية معلنة ورقابة ديمقراطية شفافة.
· اجتماعيًا: تطوير المدرسة الرسمية، تحسين الخدمات الصحية، بناء بنى تحتية متينة، وخلق فرص عمل تربط الجنوب والبقاع والضواحي بشبكات الاغتراب .
· اقتصاديًا: إطلاق مشاريع إنتاجية مستدامة تُعيد الثقة وتفتح أفقًا للنمو، بدل اقتصاد الريع والزبائنية .
· أخلاقيًا – روحيًا: إعادة الاعتبار إلى رمزية كربلاء كقيمة للعدالة والكرامة، بعيدًا عن توظيفها السياسي والطائفي، بما يُترجم عمليًا في استقلال القضاء وتطبيق القانون على الجميع بلا استثناء .
الشيعة والدولة: من المظلومية إلى الشراكة
المطلوب اليوم نقاش وطني هادئ حول موقع اللبنانيين الشيعة في مشروع الدولة. فهم ليسوا "أقلية قلقة" ولا "جبهة دائمة"، بل مكوّن أساسي في أي عقد اجتماعي عادل. وبناء دولة قوية وعادلة لا يعني نفي التاريخ أو إنكار التضحيات، بل تحويلها إلى رصيد لبناء مرحلة جديدة قوامها :
· حماية موحّدة بدل الحمايات المتفرّعة،
· اقتصاد إنتاجي بدل اقتصاد الريع،
· وأمان تُديره مؤسسات وطنية خاضعة للمساءلة بدل توتّر دائم.
العودة إلى الجذور
بهذا الانتقال المنظّم نحو دولة المواطنة، يستعيد اللبنانيون الشيعة دورهم الطبيعي في مشروع الدولة: قوّة نهضة ومدنية وشراكة، لا قوّة حرب. هنا تُصان الكرامة وتُبنى الطمأنينة، وهنا تتّسع حكاية لبنان للجميع .