اقالة ليزا كوك: شرارة أزمة دستورية تهدد أسواق العالم

 اقالة ليزا كوك: شرارة أزمة  دستورية تهدد أسواق العالم

في خطوة غير مسبوقة تهدد استقرار الأسواق وثقة المؤسسات، أقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الاثنين، محافظة الاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك “بأثر فوري”، متذرعاً بوجود شبهات تتعلق باحتيال في قضية رهن عقاري. ترامب نشر قراره في رسالة رسمية، قبل أن يجدده على منصته “تروث سوشال”، مؤكداً أن الدستور يمنحه أسباباً كافية للإقالة، ومتهماً كوك بتقديم تصريحات كاذبة بشأن اتفاقيات رهن عقاري.

غير أن كوك ردّت عليه سريعاً بإعلان رفضها الاستقالة، مؤكدة أن الرئيس لا يملك السلطة لعزلها، وأنها تستعد لرفع دعوى قضائية ضده، مشددة على أن القانون الفيدرالي يمنح أعضاء مجلس الاحتياطي حصانة من العزل التعسفي، إلا في حالات قصوى محددة. هذه المواجهة فتحت الباب على أزمة دستورية وقانونية حول حدود تدخل السلطة التنفيذية في المؤسسات النقدية.

تأتي خطوة ترامب في لحظة شديدة الحساسية، حيث يواجه الاقتصاد الأميركي تباطؤاً في النمو مع تضخم مرتفع وديون متصاعدة. في هذا السياق، يحاول ترامب تكريس هيمنة مباشرة على السياسة النقدية، بما يتيح له فرض سياسات مالية توسعية، وربما الضغط لتخفيض أسعار الفائدة لدعم نمو قصير الأجل. لكن في المقابل، فإن أي مساس باستقلالية الفيدرالي قد يؤدي إلى فقدان ثقة المستثمرين العالميين بالاقتصاد الأميركي، وهو ما يعني انعكاسات سلبية على الدولار والأسواق المالية.

الأزمة تخطت الحدود الأميركية سريعاً. فقد هاجمت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد قرار ترامب، معتبرة أن التدخل السياسي في صلاحيات البنوك المركزية يقوض ثقة الأسواق ويعرض الاستقرار المالي العالمي للخطر. التحذير الأوروبي يعكس خشية من أن يفتح ترامب سابقة تُلهم قادة آخرين للتدخل في مؤسساتهم النقدية، بما يضعف النظام المالي الدولي بأكمله.

وللتذكير، ليست هذه المرة الأولى التي يحاول فيها رئيس أميركي التأثير على السياسة النقدية. فقد مارس ريتشارد نيكسون ضغوطاً شديدة على رئيس الفيدرالي آرثر بيرنز لخفض أسعار الفائدة قبيل الانتخابات، وهو ما ساهم لاحقاً في فورة تضخمية كبيرة. وفي الثمانينيات، ورغم العلاقة المتوترة بين رونالد ريغان ورئيس الفيدرالي بول فولكر، امتنع الأول عن عزله أو التدخل المباشر في عمله، احتراماً لمفهوم الاستقلالية. أما ترامب نفسه فقد هاجم علناً جيروم باول بين عامي 2018 و2020، متهماً إياه بعرقلة النمو من خلال رفع الفائدة، لكنه لم يجرؤ حينها على اتخاذ خطوة الإقالة. ومع ليزا كوك، يبدو أن الرئيس كسر هذا الخط الأحمر، في أول تحرك رسمي مباشر لعزل عضو في مجلس محافظي الفيدرالي استناداً إلى مبررات قانونية محل نزاع.

القضية لم تعد مجرد خلاف شخصي بين ترامب وكوك، بل تحولت إلى معركة فاصلة حول مبدأ الاستقلالية ذاته. فإذا تمكن ترامب من فرض رؤيته وإبعاد كوك، فإن ذلك سيعني أن أعضاء الفيدرالي باتوا عرضة للإقالة عند أي خلاف مع الرئيس، وهو ما يحول المؤسسة إلى أداة سياسية. أما إذا نجحت كوك في معركتها القضائية، فسيُكرّس ذلك مبدأ استقلالية الفيدرالي ويمنع تسييس السياسة النقدية مستقبلاً.

إن ما جرى يفتح الباب أمام اختبار غير مسبوق لاستقلالية الفيدرالي. فالمسألة لم تعد قضية شخصية بل صراعاً جوهرياً حول حدود السلطة التنفيذية في أكبر اقتصاد في العالم. وفي وقت يحتاج فيه النظام المالي العالمي إلى الثقة والاستقرار، قد يكون لهذه المواجهة تأثيرات أعمق على صورة الولايات المتحدة كدولة مؤسسات تحكمها القوانين لا نزوات الساسة.