الفجوة المالية في المشهد النقدي اللبناني هي على أربعة محاور:
١. فجوة بين المودع والمصرف التجاري وهي الودائع.
٢. فجوة بين المصرف التجاري ومصرف لبنان وهي شهادات الإيداع والاحتياطي الإلزامي (١٥% من حجم الودائع بالعملة الأجنبية).
٣. فجوة بين المصرف التجاري والدولة وهي سندات اليورو بوند.
٤. فجوة بين المصرف المركزي والدولة وهي سندات يورو بوند وال ١٦ مليار (+) التي سجلها رياض سلامة دين على الدولة أخيراً.
وعندما نسأل عن القاسم المشترك بين هذه الفجوات، نجد أنفسنا عند النقطة التالية: الفجوة المالية نوعان: فجوة سيولة وفجوة ملاءة
قد تُعالج الدولة/مصرف لبنان جزءاً من السيولة (تدفّقات)، لكن الملاءة (من يدفع الخسارة النهائية وعلى أي ميزانية) تحتاج رسملة، شطب خسائر، وتحديد من يتحمّلها قانونياً.
الفجوة المالية في لبنان ليست لغزاً تقنياً، بل خريطة مسؤوليات. ومن يهرب من هذه الخريطة يهرب من القرار السياسي. إذا اعترفنا بتراتبية الخسارة، فالمنطق يبدأ من الفجوة السيادية: بين الدولة ومصرف لبنان. هناك تمّ تمويل العجز، وهناك تمّ تحويل الانهيار إلى أرقام على دفاتر عامة ونقدية، وهناك تكدّست أدوات دين الدولة (يوروبوند وغيرها) وتراكمت التزامات مصرف لبنان تجاه المصارف. طالما بقيت هذه “العقدة السيادية” بلا حل (أي بلا خطة مالية للدولة وبلا مسار واضح لتنظيف ميزانية مصرف لبنان) فكل حديث عن “حل الودائع” يبقى إدارة للألم لا علاجاً للمرض: شيكات مؤجلة، شهادات طويلة الأجل، أو وعود مرتبطة بموارد غير موجودة. لكن “البدء من السيادة” لا يعني رمي الخسائر على المودعين بحجة أن الدولة مفلسة؛ بل يعني العكس تماماً: تثبيت المبدأ القانوني والأخلاقي بأن من استفاد وقرّر وموّل يجب أن يتحمّل قبل الضحية، وأن مساهمي المصارف وإداراتها لا يمكن أن ينجوا عبر تحويل الخسائر إلى المجتمع. المطلوب إذن مساران متوازيان لا أحدهما مكان الآخر: حل سيادي يُنتج مصدر سداد قابل للتدفق، وإعادة هيكلة مصرفية بنكاً-بنك تُطبّق التراتبية فعلياً (رأس المال قبل الودائع) وتعيد تعريف من هو القادر على السداد ومن هو المتعثر. عندها فقط تصبح "فجوة المودع–المصرف" قابلة للحل: لا لأنّها سهلة، بل لأنّ الدولة والمصرف المركزي والمصارف يكونون قد توقفوا عن تبادل الديون داخل حلقة مغلقة، وبدأوا بتحويلها إلى مسار حقوق واضح، بجدول زمني، وبتمويل معلوم، وتحت رقابة وتدقيق يُنهي زمن الوعود المُحلّاة.