لأاحد ينكر أن الصومال ذلك البلد العربي الإسلامي دفع أثمانًا قاسية من الحروب والانهيارات والتدخلات الخارجية. ولهذا السبب تحديدًا، فُتحت أبواب اللجوء أمام الصوماليين في الغرب وتحديداً في الولايات المتحدة بوصفهم ضحايا أزمات ونزاعات . لكن بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على استقرار الصوماليين في الولايات المتحدة، لم يعد السؤال إنسانيًا فقط، بل أصبح سؤالًا سياسيًا واقتصاديًا وأخلاقيًا في آن واحد: متى ينتهي اللجوء، ومتى تبدأ المسؤولية؟
مؤخرًا، كشفت بيانات رسمية صادرة عن مركز دراسات الهجرة هنا في الولايات المتحدة عن عملية احتيال كبرى يمارسها الصوماليون في ولاية مينيسوتا ، التي تضم واحدة من أكبر التجمعات الصومالية في البلاد. فالأرقام تشير إلى أن نحو 81 في المئة من الأسر الصومالية في الولاية تعتمد على شكل من أشكال الرعاية الحكومية. ويتضح حجم هذا الاعتماد أكثر عند النظر إلى التفاصيل، إذ يعتمد 73 في المئة من هذه الأسر على برنامج Medicaid للرعاية الصحية، ويحصل 54 في المئة منها على المساعدات الغذائية بشكل دائم، بينما يتلقى 27 في المئة مساعدات نقدية مباشرة شهريًا. أما بين الأسر الصومالية التي لديها أطفال، فترتفع النسبة إلى نحو 89 في المئة، ما يجعل الظاهرة شبه شاملة في هذه الفئة.
في المقابل، تكشف الأرقام نفسها أن الصورة مختلفة جذريًا لدى الأسر الأميركية المولودة في مينيسوتا، حيث لا تتجاوز نسبة من يستخدم هذه البرامج حدود العشرين في المئة. وهذه المقارنة لا تُطرح بهدف التحريض أو التشهير، بل لأنها تفرض واقعًا لا يمكن تجاهله.. هناك فجوة هائلة في مستوى الاعتماد على الدولة، لا يمكن تفسيرها فقط بعوامل البدايات الصعبة أو صدمة اللجوء.
هذه الأرقام لم تبقَ حبيسة التقارير. فقد انفجر الجدل على نطاق واسع بعد انتشار فيديو مدته 42 دقيقة صوّره الناشط الصحفي Nick Shirley، وثّق فيه ما وصفه بـ«مطاردة مراكز رعاية أطفال وهمية» في مينيسوتا تتلقى أموالًا عامة من دون أن تقدّم خدمات فعلية للأطفال. الفيديو، الذي انتشر كالنار في الهشيم على منصتي “X”و “YouTube” وتجاوزت مشاهداته 100 مليون مشاهدة في يوم واحد . وثّق التسجيل جولات ميدانية داخل مراكز حضانة ممولة من الدولة بملايين الدولارات ، كُشف خلالها فراغ هذه المراكز من الأطفال، فيما بدت إداراتها عاجزة عن تفسير مكان تواجد الأطفال المسجلين فيها ، أو تبرير استمرار تدفق الأموال العامة إليها.
هذا التسجيل لم يكن حدثًا معزولًا، بل جاء في سياق تحقيق فيدرالي أوسع في واحدة من أكبر قضايا الاحتيال التي شهدتها الولاية، والمتعلقة بمنظمة “Feeding Our Future” غير الربحية، التي تبيّن أنها حوّلت مليارات الدولارات المخصصة لإطعام الأطفال من ذوي الدخل المحدود خلال جائحة كورونا إلى جيوب خاصة. وقد وُجهت اتهامات لعدد من المتورطين، معظمهم مهاجرون صوماليون .
سرعان ما تحوّل الملف إلى ساحة اشتباك سياسي، حيث اعتبرت القضية دليلًا إضافيًا على فشل الرقابة في مينيسوتا التي يحكمها الحزب الديمقراطي، وسوء إدارة أموال دافعي الضرائب في هذه الولاية . وقد أشاد نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس بصاحب الفيديو، معتبرًا أنه قام بما عجزت عنه الجهات الرسمية، فيما أكد مكتب التحقيقات الفيدرالي أن ما كُشف ليس سوى “قمة جبل الجليد”، وأن التحقيق مستمر لتتبع مسارات الأموال وحماية الأطفال.
هذا التداخل بين الأرقام الصادمة، وفضائح الفساد، جعل من تجربة مينيسوتا نموذجًا يُضرب به في الخطاب الأميركي عند الحديث عن الهجرة والرعاية الاجتماعية. وهنا تكمن الخطورة. ففي الخطاب السياسي، لا يتم التفريق دائمًا بين جالية وأخرى، ولا بين مهاجر وآخر. تُستخدم هذه النماذج لتعميم فكرة “عبء المهاجرين”، وتبرير تشديد قوانين الهجرة وتقليص برامج اللجوء، وهو ما يدفع ثمنه عرب ومهاجرون اندمجوا وعملوا وبنوا حياتهم بعيدًا عن هذا النمط.
ومن زاوية عربية بحتة، يصبح تجاهل هذا الواقع خطأً أخلاقيًا وسياسيًا. فالدفاع الأعمى لا يخدم الحقيقة، والصمت لا يحمي صورة اللاجئ. الاندماج لا يعني التخلي عن الهوية أو الدين أو الثقافة، بل يعني احترام العقد الاجتماعي مع الدولة المضيفة، والعمل، والاعتماد على الذات، وعدم تحويل المال العام إلى بديل دائم عن المسؤولية الفردية.
لا أحد يطالب اللاجئ بأن يتحول إلى قصة نجاح بين ليلة وضحاها، غير ان الإشكالية تبدأ حين تستمر نسب الاعتماد على الرعاية الحكومية عند مستوى 81 في المئة بعد سنوات طويلة من اللجوء ، وحين ترتفع إلى 89 في المئة بين الأسر التي لديها أطفال، وحين تترافق مع فضائح احتيال موثقة تطال المال العام ، يصبح السؤال مشروعًا وملحًا: أين مسار الاكتفاء الذاتي؟ وأين دور الجالية نفسها في تصحيح هذا المسار قبل أن يُفرض التصحيح من الخارج وبأدوات قاسية؟
في النهاية، التعاطف لا يعني إلغاء الأسئلة، والنقد لا يعني الكراهية. وعلى المجتمعات العربية والإسلامية أن تقول بوضوح إن من هاجر طلبًا للأمان، عليه في مرحلة ما أن يشارك في البناء، لا ان يكون عبئاً دائماً على البلاد التي قدمت له الكثير، ويستغل قوانينها ويحولها الى أدوات للتلاعب والفساد !