دعوة حاكم مصرف لبنان كدعوة للعدالة واسترداد الاموال

دعوة حاكم مصرف لبنان كدعوة للعدالة واسترداد الاموال

المؤتمر الصحفي لكريم سعيد يحاكي جزءاً من مسؤولية حاكم مصرف لبنان وفق قانون النقد والتسليف، لكن بصورة جزئية وانتقائية.

استناداً إلى مضمون البيان:

ينسجم مع المسؤولية القانونية؟

• حماية أموال مصرف لبنان عبر ملاحقة الاختلاس، التبديد، والإثراء غير المشروع.

• الدفاع عن موجودات المصرف واحتياطاته داخلياً وخارجياً.

• تفعيل المسار القضائي واسترداد الأصول كشرط لسداد حقوق المودعين.

• التأكيد على سيادة القانون ورفض ثقافة الإفلات من العقاب.

هذه كلها تقع ضمن واجب الحاكم في حماية سلامة النقد والنظام المالي.

أين يقصّر أو يتجاوز؟

• البيان يُحمِّل الماضي المسؤولية بالكامل دون أي إقرار بدور الحاكمية في السياسات النقدية والرقابية التي سمحت بتآكل الاحتياطات.

• غياب واضح لمسؤولية الإشراف المسبق (preventive supervision) على المصارف والمخاطر النظامية.

• تحويل دور الحاكم من حارس للاستقرار النقدي إلى مدّعٍ عام مالي، وهو دور مهم لكنه ليس الدور الكامل الذي يفرضه القانون.

• التركيز على الاسترداد بعد الانهيار بدل شرح كيف فشل منع الانهيار.

كلام الحاكم قانوني وقضائي في اتجاهه، لكنه غير مكتمل حوكمياً ونقدياً؛ يحاكي واجب الملاحقة، ولا يحاكي بما يكفي واجب المنع والمساءلة الذاتية.

البيان الأخير لحاكم مصرف لبنان يقرأ كدعوة للعدالة واسترداد الأموال، وهو اتجاه ضروري ومطلوب، لكنه يعكس فقط نصف واجب الحاكمية حسب قانون النقد والتسليف. فالتركيز على ملاحقة الاختلاس وحماية موجودات المصرف والاستناد إلى المسار القضائي ينسجم مع دور المصرف المركزي كحارس للاستقرار، لكن لا يكفي أن يُنظر إليه كمدّعٍ عام بعد وقوع الأضرار، من دون اعتراف واضح بدور الإشراف والوقاية المسبقة. التذكير بواجب حماية النقد والنظام المالي يجب أن يقترن بقراءة نقدية لسوء إدارة الاحتياطات والرقابة، وإقرار بأن الوقاية جزء لا يتجزأ من مسؤولية الحاكم. والاكتفاء بتحميل الماضي وحده المسؤولية، دون مساءلة العمليات الرقابية والسياسات النقدية التي سمحت بالتآكل، يحوّل البيان إلى خطاب أحادي يتجاهل واجب الحاكم في منع الانهيار قبل وقوعه، وهو ما يضعف رسالته القانونية والسيادية في آن واحد

لا يمكن تحميل الحاكم الحالي مسؤولية الانهيار المالي، لأن الانهيار هو نتاج سياسات وقرارات تراكمت على مدى سنوات قبل تعيينه. المسؤولية هنا ليست رجعية ولا شخصية. لكن في المقابل، تعيين الحاكم بعد الانهيار لا يعفيه من مسؤولية ما بعد الانهيار: أي كيفية إدارة الإرث، وقف النزيف، استعادة الثقة، تفعيل الرقابة، وفتح مسارات المحاسبة. الفرق الجوهري هو بين مسؤولية التسبب بالانهيار، وهي تقع على من سبق، ومسؤولية التعامل معه، وهي مسؤولية الحاكم الحالي بالكامل بحكم القانون والوظيفة. وبالتالي، النقد لا يطال “الانهيار” بل يطال مدى اكتمال الرؤية بين الملاحقة القضائية من جهة، وبناء سياسة نقدية ورقابية وقائية من جهة أخرى. هذا التمييز ضروري كي لا تتحول المساءلة إلى ظلم، ولا الشفافية إلى حصانة.