لطالما قدّم البنك الدولي نفسه بوصفه المرجعية العالمية في مشاريع الإصلاح المؤسسي، وبناء القدرات، والتحوّل الإداري والرقمي. ومن خلال تقاريره وشروطه التمويلية، روّج لمفاهيم الحوكمة الرشيدة، والشفافية، والمساءلة، وحماية رأس المال البشري باعتبارها ركائز لأي تنمية مستدامة. غير أن ما يجري اليوم داخل بعض وحداته يطرح مفارقة لا يمكن تجاهلها.
في الوقت الذي يقود فيه البنك برامج تحوّل معقّدة في عشرات الدول، يتعثّر في إدارة تحوّل داخلي متماسك داخل وحدة تكنولوجيا المعلومات، وهي من أكثر وحداته حيوية وحساسية. نظريًا، يفترض أن تكون هذه الوحدة العمود الفقري للتحديث المؤسسي، والمسؤولة عن التحوّل الرقمي وأمن المعلومات والكفاءة التشغيلية. أما عمليًا، فقد تحوّلت إلى مساحة عدم استقرار تنظيمي، وغموض في الأدوار، واضطراب في القيادة.
بعد ما يقارب عامين على إطلاق هذا “التحوّل”، لا يزال الغموض السمة الغالبة. قيادات مؤقتة لفترات طويلة، إعادة هيكلة متكررة، تغيّر مستمر في التوقعات، وقرارات مصيرية مؤجلة بلا أفق واضح. هذا الواقع لم يبقَ في نطاق الإدارة، بل انعكس مباشرة على معنويات الموظفين وثقتهم بالقيادة، وعلى التماسك المؤسسي ككل. فالتحوّل الذي يُدار في بيئة عدم يقين دائم لا يبني المرونة، بل يستنزفها تدريجيًا.
بدل أن تكون الوحدة نموذجاً للإصلاح، خضعت لإعادة تعريف غير واضحة للأدوار، وتقييمات غامضة أصبحت تحدد الاستقرار المهني. خبرات تراكمت على مدى عقود باتت تُعامل وكأنها قابلة للاستبدال، في حين تبدو طبقات قيادية عليا بمنأى عن معايير المساءلة المفروضة على غيرها، في تناقض مباشر مع الخطاب الذي يتبناه البنك عن العدالة وتكافؤ المعايير.
ولا يمكن اختزال هذه النتائج في مصطلحات عامة مثل “التحوّل” أو “العملية”. فالمسؤولية تقع على عاتق قيادة وحدة تكنولوجيا المعلومات والفريق الذي جرى استقدامه من خارج المؤسسة ومنحه صلاحيات واسعة لإعادة تشكيل بيئة مؤسسية معقّدة لم ينشأ داخلها ولم يتشرّب ثقافتها التنظيمية. وبدل الاستثمار في بناء شرعية داخلية وفهم السياق، جرى الاعتماد على نماذج مستوردة وأطر جامدة ومستشارين خارجيين، وكأن ثقافة المؤسسة عقبة يجب تجاوزها لا رصيدًا ينبغي البناء عليه.
ترافق ذلك مع تسارع في التوظيف الخارجي، غالبًا تحت شعارات التنوع والإنصاف والشمول. ورغم مشروعية هذه الأهداف، فإن تطبيقها بشكل انتقائي لتجاوز الكفاءات الداخلية والخبرة المتراكمة خلق انطباعًا واسعًا بأن سياسات قديمة تُعاد إنتاجها بلغة جديدة. والنتيجة كانت تعميق الانقسام داخل الوحدة وزيادة اغتراب الموظفين الذين يشكّلون ذاكرة البنك التشغيلية.
يتناقض هذا المشهد الداخلي بشكل صارخ مع النصائح التي يقدّمها البنك الدولي للدول التي يعمل معها، خصوصًا في أوقات الأزمات. فهذه الدول تُطالَب بالتحرّك السريع، وخفض البيروقراطية، وتمكين متخذي القرار من الاستجابة الحاسمة للصدمات. ومع ذلك، يعجز البنك داخلياً عن ممارسة هذه المرونة نفسها. فبدل احتواء عدم اليقين، جرى إنتاجه، وبدل إدارة المخاطر، جرى مضاعفتها.
ولا تقتصر آثار هذا التناقض على الداخل المؤسسي، بل تمتد إلى مصداقية البنك عالميًا. فالقوة الإقناعية لخطابه الإصلاحي تستند إلى المثال العملي. وعندما يُطلب من دول تعاني الهشاشة السياسية والمالية تنفيذ إصلاحات قاسية، بينما تعجز المؤسسة التي تصوغ هذه الوصفات عن إدارة تحوّل داخلي عادل وفعّال على مدى عامين، تتآكل الثقة في هذه الوصفات نفسها.
يحذّر البنك الدولي في أدبياته من الاعتماد المفرط على الاستشارات الخارجية، ويؤكد أن بناء القدرات الداخلية شرط للاستدامة. غير أن ما يحدث داخل وحدة تكنولوجيا المعلومات يشير إلى عكس ذلك: توسّع دور المستشارين، تراجع دور الخبرات الداخلية، ارتفاع التكاليف، وتعقيد الهياكل، وتراجع الإحساس بالمسؤولية المؤسسية.
التحوّل الحقيقي، كما يؤكد البنك نفسه، لا يتحقق بالشعارات ولا بالأطر النظرية، بل بقيادة مستقرة، واحترام للمعرفة المؤسسية، وتطبيق عادل للقواعد، وبناء للثقة. وعندما تغيب هذه العناصر، يصبح التحوّل أداة تفكيك لا إصلاح.
ما يجري داخل وحدة تكنولوجيا المعلومات ليس خللًا تقنيًا عابرًا، بل اختبار فعلي لخطاب الحوكمة الذي يتبناه البنك الدولي. وإذا كان عاجزاً عن إدارة تحوّل داخلي متوازن في واحدة من أهم وحداته، فإن ذلك يطرح تساؤلات مشروعة حول قابلية نماذجه الإصلاحية للتطبيق في بيئات أكثر هشاشة. فالإصلاح يبدأ من الداخل، ومن دون ذلك يبقى خطاب الحوكمة مجرد وعد نظري لا يصمد أمام الواقع.