ستاندرد آند بورز 500 بين ضغوط السياسة وتقلبات وول ستريت: إلى أين تتجه الأسواق؟

 ستاندرد آند بورز 500 بين ضغوط  السياسة وتقلبات وول ستريت: إلى أين تتجه الأسواق؟

شهد تراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 عن مستوياته القياسية في جلسة الثلاثاء تطورًا لافتًا لا يمكن قراءته بوصفه حركة تصحيحية عابرة فحسب، بل كإشارة مبكرة على دخول الأسواق الأمريكية مرحلة أكثر تعقيدًا، تختلط فيها العوامل الاقتصادية التقليدية مع تدخل سياسي مباشر وغير مسبوق في آليات التسعير. ومن وجهة نظري، فإن هذا التراجع الطفيف نسبيًا يخفي خلفه تغيرًا أعمق في مزاج المستثمرين، الذين بدأوا يعيدون تقييم المخاطر السياسية بنفس الوزن الذي اعتادوا منحه للتضخم وأسعار الفائدة.

اللافت أن الانخفاض جاء رغم بيانات تضخم أفضل من المتوقع، وهو ما كان يفترض أن يمنح الأسواق دفعة إيجابية. لكن ما حدث يؤكد قناعتي بأن السوق لم تعد تتحرك فقط وفق الأرقام، بل وفق "قابلية التنبؤ". المستثمر المحترف لا يخشى الأخبار السلبية بقدر ما يخشى القرارات المفاجئة وغير الواضحة المسار، وهذا بالضبط ما تعكسه سلسلة التصريحات والمقترحات التي صدرت عن الرئيس دونالد ترامب خلال أيام قليلة، وامتدت من القطاع المصرفي إلى التكنولوجيا والطاقة وحتى السياسة النقدية.

هبوط سهم جيه بي مورغان رغم تفوقه التشغيلي يعكس، في رأيي، تحولًا مهمًا في طريقة تسعير أسهم البنوك. السوق لم تعاقب النتائج، بل عاقبت المستقبل المحتمل. الحديث عن فرض سقف على أسعار الفائدة على بطاقات الائتمان، حتى وإن كان لمدة عام واحد، يضرب مباشرة نموذج الربحية للقطاع المصرفي والاستهلاكي معًا. توقعي هنا أن أسهم البنوك ستظل تحت ضغط في المدى القصير، ليس بسبب ضعف مالي، بل بسبب ضبابية تنظيمية قد تدفع المستثمرين لتقليص مراكزهم مؤقتًا.

امتداد الضغوط إلى شركات مثل فيزا وماستركارد يؤكد أن المخاوف لا تقتصر على البنوك وحدها، بل تشمل منظومة الائتمان بأكملها. ومن وجهة نظري، فإن السوق بدأ يسعر سيناريو تدخل حكومي أوسع في التسعير والهوامش، وهو سيناريو إن تحقق سيغير قواعد اللعبة لقطاعات كانت تُصنف تقليديًا كملاذات مستقرة. لذلك أتوقع استمرار التذبذب في صناديق القطاع المالي، مع احتمال بقاء الأداء دون المتوسط مقارنة ببقية السوق خلال النصف الأول من العام.

في المقابل، فإن استهداف شركات الدفاع والتكنولوجيا بتصريحات تتعلق بالأرباح أو تكاليف البنية التحتية، كما حدث مع مايكروسوفت، يفتح بابًا جديدًا من القلق. رأيي أن السوق بدأ يدرك أن الحجم والقوة السوقية لم يعودا درعًا كافيًا ضد المخاطر السياسية. هذا يدفعني للاعتقاد بأن أسهم التكنولوجيا الكبرى قد تشهد إعادة تقييم معتدلة، ليس انهيارًا، ولكن انتقالًا من مرحلة الصعود السلس إلى مرحلة أكثر انتقائية.

أما فيما يتعلق بأسعار النفط، فإن ارتفاعها على خلفية التصعيد مع إيران يعيد إدخال عنصر جيوسياسي قديم في معادلة السوق. توقعي هنا مزدوج: على المدى القصير، ستستفيد أسهم الطاقة من هذه التطورات، لكن على المدى المتوسط، فإن ارتفاع أسعار الطاقة قد يعيد إشعال ضغوط تضخمية جزئية، ما قد يربك مسار السياسة النقدية الذي كان يبدو أكثر وضوحًا قبل أسابيع.

وبيانات التضخم الأخيرة وسوق العمل الأضعف نسبيًا يدعمان سيناريو “الهبوط الناعم”، وهو ما زلت أراه السيناريو الأكثر ترجيحًا اقتصاديًا. لكن المشكلة، من وجهة نظري، أن السياسة قد تفسد هذا المسار. استقلالية الاحتياطي الفيدرالي عنصر أساسي في استقرار الأسواق، وأي تشكيك علني فيها يرفع علاوة المخاطر المطلوبة من المستثمرين. لذلك أتوقع أن يتعامل السوق بحساسية مفرطة مع أي تصعيد إضافي في هذا الملف.

تسجيل عدد كبير من الأسهم مستويات قياسية في 52 أسبوعًا يؤكد أن السوق ليست في حالة ضعف شامل، بل في حالة انقسام. نحن أمام سوق انتقائية بامتياز، حيث تتركز القوة في شركات ذات نماذج أعمال واضحة وتدفقات نقدية مستقرة. ومع ذلك، أتفق جزئيًا مع الرأي القائل إن الاقتصاد على شكل حرف K غير مستدام، وأرى أن هذا التباين قد يتحول إلى عامل ضغط على الاستهلاك لاحقًا، وهو ما يحد من قدرة مؤشر ستاندرد آند بورز 500 على تحقيق مكاسب مزدوجة الرقم للعام الرابع على التوالي.

خلاصة توقعي هنا أن مؤشر ستاندرد آند بورز 500 لم يدخل بعد مرحلة هبوط هيكلي، لكنه دخل مرحلة "إعادة تسعير المخاطر". المسار المرجح في الأشهر المقبلة هو حركة عرضية متقلبة، مع فرص انتقائية في قطاعات محددة، يقابلها حذر واضح من القطاعات الأكثر عرضة للتدخل السياسي. السوق لم تفقد زخمها، لكنها فقدت يقينها، وهذا كفيل وحده بتغيير سلوك المستثمرين في المرحلة المقبلة.