كتبت دارين صالح
تبرز شخصية الدكتورة جنان الخوري الفخري في ميدان القانون الدولي والتشريع، حيث تعمل كمستشارة قانونية دولية معتمدة لدى الاسكوا، التابعة للأمم المتحدة في مجال القوانين السيبرانية، وتتميز بتأثيرها الواضح في عدة مجالات حيث تشغل أيضًا منصب أمانة عامة إقليمية لمنظمة ISSD التابعة للأمم المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، مما يؤكد دورها الهام في تعزيز القانون والعدالة في المنطقة.
إلى جانب دورها كمستشارة قانونية، تحظى بسمعة مميزة كأستاذة محاضرة في الجامعة اللبنانية، حيث تساهم في تنمية جيل جديد من القادة والمفكرين في مجالات القانون والعلوم السياسية والإدارية. وتسهم أيضًا في تطوير المجتمع من خلال إلقاء محاضرات في كلية فؤاد شهاب للقيادة والأركان بالجيش اللبناني، مساهمة بخبرتها ومعرفتها في تدريب وتنمية القادة العسكريين.
وتسعى بكل جدية لتعزيز العدالة وحماية الحقوق في عصر يتسم بتقدم التكنولوجيا والتحديات المتزايدة، من خلال مشاركتها الفعّالة في اللجان والمنظمات الدولية، وجهدها المستمر في تطوير التشريعات والسياسات القانونية.
"مجلة 24 " التقت الدكتورة الفخري وتحدثت معها عن كتابها الأخير "القانون الجزائي للأعمال" وشؤون الأمن السيبراني، بالإضافة إلى مناقشة تأثير غياب التشريعات والقوانين المواكبة للتطور التكنولوجي في لبنان وتشريعات جرائم الانترنيت والاقتصاد الرقمي وميزات التطور التكنولوجي والحماية الفكرية وكيفية مكافحة الفساد وهذا هو نص الحور.
العالم مشغول
* ما الذي دفعك للتركيز على تشريعات جرائم الإنترنت، خاصةً في سياق اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا التابعة للأمم المتحدة (ESCWA)؟
- لسبب بسيط، لانه في خِضمّ انشغال العالم بترسيخ دعائم عصر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وفرضه للعديد من القواعد متعددة الوجوه، لم يُعِر الاهتمام الكافي الى احتمال ان يكون هو أولى ضحايا ذلك التطور الاقتصادي الرقمي والعابر للحدود حيث لازم التغيير الذي طرأ على المجتمع المحلي والعالمي، تغييراً في أشكال الظاهرة الإجرامية التي ارتكزت بشكلٍ جوهري على الصفات ذاتها التي ميّزت التطوّر التكنولوجي الراهن أي على صفتَي العابر للحدود والتكنولوجيا المعلوماتية، أي ما يعرف اليوم بـ "جرائم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات"
القانون الجزائي
*ما هي أهمية كتابك "القانون الجزائي للأعمال" ومساهمته في علم الجنائيات الحديث، سواء محلياً أم دولياً؟
- يعرض هذا المؤلف الاعتبارات العلمية، والمبادئ والأسس القانونية والقضائية التي بلورت القانون الجزائي للأعمال بقيامه على قاعدة أساسية لسياسة جزائية علمية وعملية، محليّة ودولية حديثة ترمي إلى مواجهة الإجرام الحديث بوسائل علمية وقانونية تكفل الوقاية منه ومعاقبة المجرمين. ويعالج المؤلف الترسانة التشريعية اللبنانية التي عملت على وضع ضوابط قانونية في قانون العقوبات وبعض القوانين المختصة، بهدف تأمين الحماية للملكية الفكرية والتجارية والصناعية، وتجريم تقليد العلامات الفارقة، وشهادات الاختراع، والرسوم والنماذج الصناعية، والمزاحمة الاحتيالية، واغتصاب الاسم التجاري، والجرائم المتعلقة بالملكية الأدبية والفنية، وحماية المستهلك، اضافة الى إنشاء النيابة العامة المالية... إضافة الى حماية المستهلك على الإنترنت وسائر اوجه التجارة الالكترونية، والتوقيع الإلكتروني وحجية الاثبات الالكتروني...
دور التشريع
*مع مراعاة التحديات المتعددة التي تواجه اقتصاد لبنان ومجتمعه، كيف ترين دور التشريع في التعامل مع قضايا مثل البطالة وعدم الاستقرار الاقتصادي؟
- لا وجود لأي تشريع لبناني يعنى بالبطالة او بإنعاكسات الاستقرار الاقتصادي، هناك فقط قانون حديث لمكافحة الفساد انما لم تصدر المراسيم التطبيقية الخاصة به، ولا رأينا احكام قضائية تطبيقا له. مع العلم أن بطالةُ العديدِ من الشابات والشبان اللبنايين، الناجمةُ عن الاقتصاد اللبناني المديون والعديد من العوامل الاخرى واضطرارِهم الى إِمْتِهان المِهَن الهامشيّة، والحُصولِ على مداخيلَ مُتدنيّةٍ وعدمِ الإِكتِفاءِ الذاتي بالحاجاتِ الأساسيّةِ... إضافة الى حلول المكننة التقنية مكان العامل اللبناني... الامر الذي يؤدي بهم إلى شُعورٍ بالإِستِهْزاء بالدَوْلَةِ وعدم احترامها، والى الإنعكاسِ سلباً على كثيرِ من الجوانبِ المَعيشيّةِ الأُخرى كالتعليمِ، والصحّة، وحتى إلى التسبُّبِ بالصِراع العائلي والَزوجي المؤدّي إلى الطَلاقِ وتَسوّلِ الأطفالِ وتَشرّدِهم وعَمَالَتِهم ووقوعِهم في بَراِثنِ المافيات وتسلّطها عليهم، ولجوءِ الشبان إلى المُخدرات للهروب من واقعهم المرير، أو إلى التَدْخين، والسُكر بالكحول، وغيرِها من العاداتِ التي تُعْتبر عواملَ مهيِّئة للإجرامِ، والدُخولِ الى عالِمِ الإجرامِ والعُنُف او لجؤوهم الى الساحات والطرقات للتعبير عن غضبهم وسخطهم وتمرّدهم على واقع اقتصادي واجتماعي مأساوي لا بل كارثي... فكما يُقولُ أرسطو إنّ "الفقرَ مُوّلِدُ الثوراتِ والجريمةِ .
مكافحة الجرائم
*ما هي التدابير التشريعية الرئيسية اللازمة لتعزيز حماية المستهلك، ومكافحة جرائم الإنترنت، وتنظيم التجارة الإلكترونية بفعالية في لبنان؟
- في ما يتعلق بحماية المستهلك، تبرز أهمية قانون حماية المستهلك اللبناني رقم 659 تاريخ 4/2/2005، في حمايته للأخير، وهو الطرف الضعيف، او غير الممتهن في العديد من البيوعات او التعاقد، او الإعلانات الخادعة او الغش في المواد الغذائية والصحية... متخذا منهج العديد من الدول الغربية والعربية التي اعتمدت العديد من التشريعات لحماية المستهلك ورفع الظلم الواقع على المستهلكين، ومن اجل الدفاع عن مصالحهم... لكن التساؤل في الوقت الراهن في لبنان هو من يحمي المستهلك اليوم من ارتفاع هائل لأسعار المواد الاستهلاكية، او انتهاء صلاحيتها، او عدم جودتها، وعدم توفر الامن الغذائي والامن الصحي، وتلوّث المياه والمواد الغذائية، وارتفاع كلفة الخدمات العامة الصحية والأدوية واحتكارها أحيانا او "اخفاءها ريثما يتم رفع الدعم عنها"، اما في ما يتعلق بالتجارة الالكترونية، بالطبع إنّ الانتقال من مرحلة التعامل الورقي إلى مرحلة التعامل الإلكتروني من دون سَنّ قواعد قانونية وتأمين بيئة تقنية وعلمية لتبادل البيانات إلكترونياً يشكل تهديداً للتجارة الدولية بحد ذاتها ولا سيما "عامل الثقة" الأساسي في التبادلات التجارية، إضافة إلى تقليل فرص الإفادة من حسنات التجارة الإلكترونية وتهديد حقوق الأفرقاء، لا سيما في ظلِّ شِبه غِياب للقوانين المُلائمةِ، ولِطبيعة عقودِ الإذعانِ، وللإعلاناتِ الخادعةِ، وللفارق بين المُستهلِكِ المحترف أو عديم الخِبرة في التِجارةِ الإلكترونيةِ أو سائر المُعاملاتِ الإلكترونيةِ
في الواقع، تتولّى وزارة الاقتصاد والتجارة في لبنان إدارة مشروع التجارة الإلكترونية (MSC/e-Commerce) لتطوير هذه التجارة وتتمحور أهميته الإقتصادية لكونه يولّد تياراً وحركة اقتصادية تهتم بالسوق الإلكترونية مع ما يستتبع ذلك من حيث تطوير الإطار القانوني والتنظيمي للعمليات الإلكترونية (E-Transactions) وحركة تجارية ومالية. أما في ما يتعلّق بالحوالات المالية الإلكترونية، فقد أصدر المصرف المركزي في لبنان (قبل الازمة المالية) العديد من التعاميم المتعلّقة بالدفع الإلكتروني وإستعمال البطاقات المُمغنطة والمُعاملات الإلكترونية بهدف تنظيم هذه الحوالات، بالإضافة إلى القرارات التي نظّمت عمل أنظمة الصرّاف الآلي... كما ينص قانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي رقم 81/2018 على مواد تحمي المستهلك اللبناني، انما أيضا هذا القانون بانتظار صدور مراسيم تطبيقية له.
التحديات
* كيف يمكن إعادة بناء الثقة في المؤسسات الحكومية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي بعد الازمات التي خصلت ؟
- لا بد للدولة اللبنانية من درس الأخطاءِ الإجتماعيّةِ Zémiologie/Zemiology التي ترتكبها في حق شعبها: ومنها الفقْر، وسُوء التغذية، والحُرْمان من الخدمات البنيوية والإجتماعية، والتنمية الشاملة والمستدامة، والعُنف، والتلوّث، واهمال الطرقات، وعدم الاهتمام بالمرضى والأمراض، وعم الوقاية من الجريمة... الأمر الذي يتطلب أيضا اعلان "حالة طوارئ اقتصادية – اجتماعية"، وخلق فرص عمل في ظل بطالة لبنانية متعاظمة، واستحداث مناطق اقتصادية، ومدن صناعية، ومشاريع زراعية، مع تحفيزات ضريبية وتشريعية، واستقطاب رؤوس الأموال نحو القطاعات المنتجة الخالقة لفرض العمل، وتعزيز شبكة الامن القومي اللبناني، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والتعامل مع الصناديق الدولية المتخصصة بالتنمية، وغيرها من ركائز التطوير وإطلاق النمو الاقتصادي-الاجتماعي.
مبادىء العدالة
*ما هي الإصلاحات التي تعتقدين أنها ضرورية لتعزيز نظام القضاء في لبنان والالتزام بمبادئ العدالة والمساءلة؟
- إنّ المحكَّ الحقيقيّ لكُلّ إصلاحٍ يَنْشُد الثِقة والمِصداقية في محاكم مُنِصفة، وتوفير ظروفٍ وضوابط وضمانات مُحاكمة عادلة، باعتبارها من ثوابتَ العدَالةِ الجزائيةِ المُعاصرةِ. وأنّ وجود نظام عدالة جزائية، يتصفُ بالإنصافِ والمسؤوليةِ والفاعليةِ، واتخاذَ تدابيرُ منسّقةُ أكثر فاعليةٍ، هو الكفيلُ بأنْ يُمثّل عاملاً مهماً في تعزيزَ التنميةِ الشاملة والمستدامة لأيّ وطن. تُعتبر الأحكامُ القضائية محطّ اهتمام الدول وتَصدُر بإسم شعوبها؛ إذا كان العدلُ أُولى دعائم كيان الدولة، فإنّ القضاءَ هو افضلُ مظهرٍ يتجسّد به العدلُ وركنٌ اساسيّ في منظومَةِ استقرار الأنظمة؛ فلا وطن ولا دولة قانون دون قضاء مستقل وسليم.
السلوك الاجرامي
*مع ارتفاع معدل التهميش والتهميش الاقتصادي بين الشباب اللبناني، كيف يمكن لتدخل الدولة التخفيف من خطر الاضطرابات الاجتماعية والسلوك الإجرامي؟
- إضافة الى ما ذكرنا أعلاه، لا بد من هنا اهمية إنشاءِ مشاريع إسكانٍ لذَوي الدخْلِ المَحدودِ داخل المدن، وتشجيعِ الهُجْرَةِ العكسيّةِ من المُدُنِ إلى الريفِ عِبرَ التَنميَةِ المُتوازنَةِ للمَناطِقَ الريفيَةِ.... وضمان سَكْن لائِق بِكرامَةِ الفَرْدِ والأُسرة وربط العالَم القرويّ بالشَبكةِ المائيّةِ والكهربائيّةِ والطُرُقيّة، وضمان الحقّ في التعليمِ ومُحاربَةِ الأُميّة خصوصاً في أوساط المرأةِ الريفيَةِ". فبِزيادةِ الحُصولِ على السِلَعِ الإجتماعيّةِ كالصحّة، والبيئة السليمة، والتَعليم الالزامي والمجاني لغاية الرابعة عشرة من العمر، وتَنْميَة الإحترامِ المُتبادِلِ للثَقافاتِ والحَضاراتِ والِقَيِم المُختلِفَةِ، واعتبار التنوّع مصدر غِنى لا صِراعاتٍ،... مما يقلل من نِسْبَةُ الإنخراطِ في الإجرامِ أو الوقوع ضحيته.
دور التكنولوجيا
*كيف تتصورين دور التكنولوجيا والابتكار الرقمي في التعامل مع الفجوات الاقتصادية وتعزيز النمو الاقتصادي الشامل في لبنان؟
- ينبغي للدولة اللبنانية أن تعمل على تسخير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لأغراض التنمية فعليا وتطبيقياً، تعزيز الإدماج الرقمي، تضييق الهوة في مجال التكنولوجيا الرقمية، تعزيز برامج بناء القدرات، حصول الجميع على قدم المساواة على التعليم، تكوين المعرفة العالمية والثقافة الالكترونية، التغيير نحو الأفضل، تعزيز
المبادرات التدريبية في القرى النائية والتعاون مع منظمات التمويل المختصة لتوفير المساعدة المالية والتقنية، من أجل تنفيذ إستراتيجيات لتعزيز التنمية الشاملة والمستدامة ولمنع الجريمة منعا فاعلا ولسلامة المجتمعات المحلية على كل من الصعيد الوطني...
حقوق الانسان
*بصفتك الأمينة العامة لمنطقة الشرق الأوسط في الجمعية الدولية للدفاع الاجتماعي (ISSD)، ما هي المبادرات التي تدعين إليها لتعزيز العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان في المنطقة؟
- في ما يتعبق بالعدالة الاجتماعية، هناك العديد من المبادرات ابرزها: لا بد من التذكير انه تبيّن لنا من تحليل الصلة بين نوعية الإجرام ونسبته والتنمية الاجتماعية، أن المناطق المحرومة قد تكون أشدّ عرضة للإجرام لا سيما الفساد، الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين التي غالبا ما تنشأ في الاحياء الفقيرة، ويُعزى السبب الرئيسي الى الجهل، نقص الوعي بالحقوق الفردية والانسانية او عدم الاكتراث. لذلك ينبغي معالجة قضية فجوة الفقر المدقع للأغلبية والغنى الفاحش للأقلية، وردم الفجوة الرقمية التكنولوجيا، وفرض التعليم الإلزامي والمجاني لغاية بلوغ سن الرشد، واستئصال البطالة من خلال استراتيجيات إنمائية وسياسات لمنع الجريمة تكون فاعلة ومتوازنة؛ بإختصار، إعادة ربط الأمن والاستقرار المحليين بأجندة حقوق الإنسان. بالطبع بالإضافة الى نبذ الخلاف والعنصرية، التمسك بالإحترام العام مع الاعتراف بتحقيق التنوّع الديني، الثقافي والحضاري، التماسك الاجتماعي، بذل جهود مستدامة من اجل ايجاد ثقافة السلام، إقامة عالم أكثر إنصافاً، توطيد القانون الدولي والعدل.*
رفاهية المواطن
*.ما هي وجهة نظرك حول العلاقة بين التنمية الاقتصادية ورفاهية المجتمع، مع التركيز على أهمية السياسات الشاملة التي تعطي الأولوية لرفاهية جميع المواطنين ومنع ارتكاب الجرائم؟
- عملياً، ولإتباع استراتيجية فاعلة، لا بدّ من اتباع طائفة واسعة من النهج الاقتصادي والاجتماعي أهمها: تحسين نوعية الحياة، تخفيض التكاليف الاجتماعية، رفع مستوى حياة الناس، تشجيعهم على السلوك الاجتماعي السليم عن طريق تدابير علمية واقتصادية واجتماعية، الحدّ من الفجوة الرقمية التي أحدثتها التكنولوجيا، الحد من فجوة الثروة والدخل، ايلاء الأطفال والشباب والمرأة اهتماما خاصا، التركيز على عاملي الخطر والوقاية من خلال برامج تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة، أسلوب التخطيط لدراسة الموارد المتاحة لبلد واوجه استخدامها لخدمة الإستراتيجية العامة في النهوض الاقتصادي والاجتماعي، تعزيز الأنشطة التي تعالج التهميش والإقصاء، تعزيز حسم النزاعات بشكل إيجابي وتنفيذ إستراتيجيات لمنع تكرار الإيذاء، وإتاحة فرص لوجود نهج إنساني واكثر فاعلية إزاء مشاكل الجريمة، برامج إعادة إدماج المجرمين في المجتمع من جديد لمنع العودة إلى ارتكاب الجرائم....