تخطي إلى المحتوى
مقابلات

امين عام اتحاد الغرف الغربية ل"مجلة 24": الاقتصاد العالمي يواجه التضخم والضغط المالي

امين عام اتحاد الغرف الغربية ل"مجلة 24": الاقتصاد العالمي يواجه التضخم والضغط المالي

يعيش العالم بحال من القلق الشديد من جراء استمرار الحرب على غزة ولبنان وامتدادها لأشهر طويلة والتوسع إقليميًا بمشاركة أطراف أخرى ، خصوصا بعد ان اشتدت المعارك بين اسرائيل وحزب والتي ادت الى تدمير معظم القرى الحدودية ودفعت سكانها الى النزوح نحوبيروت والشمال وضربت الموسم السياحي والقطاع الزراعي ، كما ان استمرار الحرب الروسية الاوكرانية ارخت بثقلها على الاقتصادات الاوروبية وباتت ورقة اساسية في الانتخابات الرئاسية الاميركية التي ستجري في شهر تشرين الثاني وما سينتج عنها من تغيرات على الصعد الاقتصادية والنقدية والسياسية .

ما هي الاضرار التي تسببت بها حرب غزة ، وما هي التحديات التي تواجه الاقتصادات العربية في ظل الانقسامات الحاصلة على الصعيد الدولي ، وما هي التغيرا التي ستحصل في حال فوز ترامب الداعم للعملات الرقمية وما هو مستقبل محموعة بريكس وهل سيبقى الدولار على حال اطلقت هذه المحموعة عملة جديدة لضرب العملة الاميركية ، هذه الاسئلة طرحتها "مجلة 24 " على امين عام اتحاد الغرف العربية الدكتور خالد حنفي وهذا هو نص الحوار .

*ما مدى حجم الأضرار التي لحقت بالاقتصادات العربية منذ اندلاع الحرب في غزة وحتى اليوم؟

- تواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحديات مستمرة في ظل الصراع المستمر في غزة وتوسّعه إلى لبنان، بالإضافة إلى اضطرابات الشحن بالبحر الأحمر وتخفيضات إنتاج النفط، كلّها عوامل أدت إلى تفاقم مواطن الضعف المتعلقة بارتفاع مستويات الدين وتكاليف الاقتراض.

وحذّر صندوق النقد الدولي في تقريره للآفاق الاقتصادية الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ووسط آسيا إن الأسواق الناشئة والدول متوسطة الدخل بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تواجه ضغوطا متزايدة على ماليتها العامة، إذ تنال مدفوعات الفائدة المرتفعة من جهود تقوية مراكز المالية العامة.

وجرّاء تصاعد الصراع فقد تأثّرت اقتصادات الدول العربية المجاورة مثل الأردن ولبنان وسوريا والعراق بتراجع السياحة واستمرار الاضطرابات التجارية وتدفقات محتملة للاجئين. علاوة على ذلك فإن استمرار اضطرابات البحر الأحمر لفترة طويلة سيواصل التأثير على أحجام التجارة وتكاليف الشحن مع تأثير أكبر على مصر عبر انخفاض إيرادات قناة السويس".

أمام هذا الواقع فإنّ الآفاق الاقتصادية للمنطقة تكتنفها مخاطر كبيرة مع ارتفاع حالة عدم التيقن بصورة ملحوظة منذ أكتوبر تشرين الأول 2023 وبصورة متفاوتة عبر المنطقة. كما تتضمّن المخاطر أيضا استمرار التضخم والضغط المالي وتصحيح للأوضاع المالية له تأثيرات سلبية وأعباء الديون واحتمال تدهور الظروف الاقتصادية الجغرافية وحدوث تباطؤ عالمي مفاجئ والصدمات المناخية المتكررة.

القمم العربية

*يلاحظ أن القمم الاقتصادية العربية غائبة كليا رغم التطورات الجيوسياسية في المنطقتين الأوروبية والعربية؟

- على الرغم من أنّ انعقاد القمة العربية التنموية والاقتصادية والاجتماعية عقدت بدورتها الرابعة في بيروت عام 2019، وكان من المفترض أن تنعقد الدورة الخامسة للقمة في نواكشوط عاصمة موريتانيا في تشرين الثاني (نوفمبر) لكن تمّ تأجيلها بسبب اندلاع الحرب في غزة في تشرين الأول 2023، لكنّ القمم السياسية الدورية للقادة والملوك والرؤساء والزعماء العرب التي تعقد مرّة كل سنة، غالبا ما يتم التطرّق فيها إلى الجانب الاقتصادي واتخاذ القرارات المناسبة، وذلك بناء على التوصيات والمقترحات المقدّمة من جانب قطاع الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في جامعة الدول العربية والقطاع الخاص العربي. وإننا كاتحاد غرف عربية وقطاع خاص عربي دائما من خلال اجتماعات مجلس إدارة الاتحاد

ما نصدر التوصيات حيث صدر "إعلان الكويت" و "إعلان البحرين" عن رؤساء اتحادات الغرف العربية وهي بمثابة خارطة طريق لتعزيز واقع الاقتصادات العربية، وغالبا ما يتبنى قادة وزعماء ورؤساء الدول العربية هذه التوصيات في قممهم السياسية. وبالتوازي فإننا معنيون بانعقاد الدورة الخامسة للقمة العربية التنموية والاقتصادية والاجتماعية، والتي ننظّم في اتحاد الغرف العربية تزامنا مع انعقادها منتدى القطاع الخاص العربي، الذي نرفع فيه التوصيات الهامة إلى القمة وغالبا ما يتم تبنيها لما من دور محوري للقطاع الخاص العربي في دعم الاقتصادات العربية حيث يوظّف القطاع الخاص ما يزيد من 75 في المئة من اليد العاملة في العالم العربي، إلى جانب مساهمة القطاع الخاص بأكثر من 75 في المئة في الناتج المحلّي الإجمالي للاقتصادات العربية.

التحديات الافتصادية

*- ما هي أبرز التحديات التي تواجه الاقتصادات العربية في ظل الانقسامات الحاصلة على الصعيد الدولي؟

- لم تعد الاقتصادات الحديثة محصنة من التغيرات التي تحصل في بقاع العالم المختلفة، فالتجارة العالمية والتفاعل بين الدول والشركات، وتنامي التخصص في الانتاج الصناعي، عوامل جعلتها تتأثر بالأحداث الخارجية، سواءٌ أكانت خطوط الملاحة، أم الحروب، أم الكوارث الطبيعية، أم الكساد والتضخم والأزمات السياسية.

لكن البلدان الكبيرة ذات الاقتصادات المتنوعة، كالصين والولايات المتحدة والهند وروسيا والبرازيل، أكثر تحصنا ضد الأحداث الخارجية من اقتصادات الدول الصغيرة، أو تلك التي تعتمد اعتمادا كبيرا على الأسواق الخارجية أو مصادر الدخل المحدودة. فاقتصادات دول الشرق الأوسط، مثلا، تتأثر تأثرا كبيرا بالعوامل الخارجية، على خلاف ما يحصل في اقتصادات الدول المتطورة، التي تمتلك عناصر داخلية تجعلها أقل عرضة للتأثر بالعوامل الخارجية. وسبب هشاشة اقتصادات الشرق الأوسط، هو أنها تعتمد إما على تصدير المواد الأولية إلى الخارج، كالنفط والغاز، وهذه تتأثر بانسيابية النقل وسلامة خطوط الملاحة، ومدى حاجة الدول الأخرى لها، أو على السياحة، التي تعتمد ابتداءً على الاستقرار والسلم الداخليين، والرخاء والنمو الاقتصادي الخارجيين.

وقد أظهر العديد من اقتصادات الشرق الأوسط، خصوصا المعتمدة أساسا على مصادر دخل أحادية، ضعفا بنيويا وتصدعات واختلالات خطيرة بعد اندلاع الحرب في غزة، التي جعلت المنطقة كلها تبدوغير مستقرة، الأمر الذي أثَّر سلبا على السياحة في كل من مصر والأردن، اللذين يعتمدان اعتمادا كبيرا على إيرادات السياحة الخارجية.

وحدها دول الخليج العربي لم تتضرر كثيرا حتى الآن، وهي على الأرجح لن تتضرر، خصوصا الدول التي تمكنت من تنويع اقتصاداتها، ولم تعد تعتمد على النفط كمصدر أساسي للتمويل، كالسعودية والأمارات، ولكن أمن الملاحة في البحرين الأحمر والعربي، وفي الخليج العربي، سيبقى ضروريا جدا لدوام الرخاء والاستقرار الإقليمي، ولا شك أنها ستكرس جهودها لضمان أمن المنطقة، وتستمر في تعزيز أمنها واقتصاداتها.

لقد أبرزت حرب غزة العديد من القضايا التي كانت مهملة، وأولاها أن مصالح دول المنطقة مترابطة عضويا، فلا يمكن بعضها أن يستقر وينمو ويتقدم دون البعض الآخر. وبالتالي هناك حاجة ماسة لتضافر الجهود العربية من أجل حل مشكلة السودان عاجلا، وهذا ممكن، فدول المنطقة لديها تأثير على طرفي النزاع، وكذلك إيجاد السبل لدعم الاستقرار في كل من اليمن والصومال، اللذين برهنت الأحداث على أن عدم استقرارهما يؤثر على استقرار المنطقة ككل، وعلى خطوط الملاحة الدولية.

في المحصّلة يمكن القول إنّ اقتصادات الشرق الأوسط قادرة على الصمود، ولكن هناك حاجة لسياسات مدروسة لمواجهة التحديات الحالية والمحتملة. لقد برهنت الأحداث الأخيرة أن المواقع الاستراتيجية للدول العربية، إضافة إلى ثرواتها الطبيعية والبشرية، تمكنها من أن تلعب دورا دوليا رائدا، وتساهم في التكامل الاقتصادي لدول المنطقة، وبالتالي تعزيز قوتها لحماية مصالح شعوبها ودرء الأخطار الخارجية المحدقة بها، شرقا وغربا.

الانتخابات الاميركية

*هل تتوقع حصول تغيير اقتصادي ومالي في الولايات المتحدة في حال عودة دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة؟

- وضعت مؤسسة "أكسفورد إيكونوميكس" سيناريوهان للاقتصاد العالمي في حال فوز ترامب، كلاهما سيئ لكنهما يتفاوتان بحسب شدة الإجراءات والسياسات التي سيتبناها. السيناريو الأول تسميه المؤسسة البحثية بـ"سيناريو ترامب المحدود"، وهذا سيقود إلى مكاسب إضافية للناتج العالمي بـ 0.2% في 2027 نتيجة لزيادة الإنفاق، لكنها ستتلاشى وتتحول إلى خسائر اعتباراً من 2028 وصولاً إلى ضياع 0.2% من الناتج العالمي بحلول 2030. أما السيناريو الثاني هو "ترامب بلا حدود"، وتكون فيه خسائر الاقتصاد العالمي أكبر وأسرع، بحيث يخسر الاقتصاد العالمي 1.3% من الناتج بحلول 2028.

ويتوقع سيناريو "ترامب المحدود" سياسة مالية توسعية وزيادة الدين إلى الناتج بـ 4.5% بحلول 2033، وتشير احتمالية تحقق هذا السيناريو بنسبة 35% وسيتضمن سياسة مالية توسعية، من خلال الاستمرار بالتخفيضات الضريبية على الأفراد وزيادة الإنفاق الحكومي، ما سيرفع الدين إلى الناتج المحلي بنحو 4.5% حتى 2033. ويتوقع هذا السيناريو تخفيضات للضرائب وزيادة الدين إلى الناتج بـ 1.5% بحلول 2028، إلى جانب فرض تعرفات جمركية بنسبة 25% على بعض الواردات من الصين والاتحاد الأوروبي. وقد يقود ذلك إلى الرد بتعرفات انتقامية مقابلة. ويتضمن هذا السيناريو أيضا خفض الهجرة بنسبة 30% مقارنة بالسيناريو الأساسي.

يتضمن هذا السيناريو تخفيضات إضافية للضرائب على الشركات وزيادة الإنفاق، بما يؤدي إلى ارتفاع الدين الأميركي بـ 1.5% من الناتج المحلي بحلول 2028.

لكن في المقابل تحصل الخزينة الأميركية على إيرادات ضريبية أعلى من التعرفات الجمركية بما يكفي لتخفيض الدين إلى الناتج بما يعادل 2.2% من الناتج المحلي. وضمن هذا السيناريو أيضاً، زيادة التعرفات بنسبة 60% على الصين، وبـ 10% على الشركاء التجاريين الآخرين. ويقود ذلك إلى رسوم انتقامية من الصين بنسبة 40% على السلع الأميركية، فرض قيود على السياحة إلى الولايات المتحدة.

ويشمل هذا السيناريو أيضاً تخفيض قيمة اليوان الصيني مرة واحدة بنسبة 10% مقابل الدولار في 2026، وكذلك تخفيض الهجرة إلى الولايات المتحدة بنسبة 50%.

وستكون الصين أكبر الخاسرين في سيناريو "ترامب المحدود"، فيما تحقق دول مثل المكسيك وكندا بعض المكاسب. أما سيناريو "ترامب بلا حدود" فسيؤدي إلى ضربة كبيرة لاقتصادات الصين وكندا والمكسيك، في حين يبدأ الاقتصاد الأميركي بالتعافي اعتباراً من 2028.

العملات الرقمية

*تخطط معظم الدول الأوروبية والولايات المتحدة لإحلال العملات الرقمية بدلا من العملات الرائجة حاليا بحجة مكافحة تبيض الاموال هل هذا صحيح ام أن هناك اهداف أخرى؟

-- يقف الاقتصاد العالمي في هذه المرحلة مترقبا ما سوف تستقر علية آليات العملات الرقمية، حيث تعد بتكوين بمنزلة النموذج القائد الذي سيكون له تأثيره الكبير في مستقبل العملات المُشفرة. إذ تعكف العديد من المؤسسات المالية العالمية حاليا على دراسة هذا الملف لمحاولة الوصول إلى إطار تنظيمي يحكم مجال النقود المُشفرة التي تتزايد أعدادها بصورة كبيرة. ومع أن ذلك ربما يكون له أثر اقتصادي إيجابي إذا تم اعتبارها نوعا جديدا من المُشتقات المالية، إلا أنه لا تزال هناك عشرات من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات حتى يتسنى وضع نموذج يُمكن الاتفاق عليه دوليا لتنظيم تلك النقود المُشفرة التي تتطور وتتزايد أنواعها وتتغير آلياتها بصورة أسرع من مُحاولات تنظيمها أو السيطرة عليها. ومن ثم، وأمام عدم وضوح الرؤية المستقبلية لـ "البتكوين" ومثيلاتها من العملات المُشفرة يكون من الصعب التسرع في الانخراط في مُجتمع تلك العملات بما يُمثله من خطورة شديدة على الأمن والاقتصاد القومي، وتكون الرسالة للأفراد هي أن امتلاك تلك العملات لا يزال يُمثل مُغامرة، ومسؤولية شخصية لمن يقوم بذلك ولن يجد من يدعمه أو يتعامل مع ثمة مشكلات تواجه هذه العملة مستقبلا، حيث يضع ثروته عرضه لتجارب بعض المطورين المجهولين، ورغبة من بعض الدول في الاستفادة القصوى من التقلبات التنظيمية والابتكارية التي تحكم هذه المرحلة الانتقالية من عمر العملات المُشفرة.

بريكس والولايات المتحدة

*ما مستقبل مجموعة بريكس في مواجهة الولايات المتحدة وهل تعتقد أن الدولار سيبقى على حاله؟

-تكتسب دول البريكس صفة القوة المالية، فبالنظر إلى مساهمة مجموعة بريكس في الاقتصاد العالمي والتي وصلت 31.5 في المئة، يكشف أداء تجمع دول بريكس أن حصيلة الصادرات السلعية للمجموعة في نهاية عام 2021 بلغت 4.6 تريليونات دولار، وهو ما يمثل 20.7 في المئة من إجمالي الصادرات السلعية للعالم، في حين بلغت الواردات السلعية في نفس العام للمجموعة 3.9 تريليونات دولار، وبما يمثل 17 في المئة من إجمالي الواردات السلعية للعالم. والأرقام هنا تكشف تنامي مستمر لصادرات دول مجموعة البريكس بقيادة الصين بوصفها الوزن الأكبر في صادرات دول المجموعة، الأمر الذي يفتح الباب أمام تأثير أكبر وأقوى لدول المجموعة على حركة التجارة العالمية خلال السنوات المقبلة، إلا أن التواصل لتوافق حول عملة موحدة أو منصة للتبادل التجاري عبر العملات المحلية سيكون له تأثير كبير على حركة التجارة العالمية بحسب التقديرات. ، وعلى الرغم من صعوبة الوصول إلى اتفاق على التجارة بالعملات المحلية بين دول البريكس أو الوصول إلى عملة موحدة بعيدا عن الدولار، إلا أن الدفع في الاتجاه للاعتماد على العملات المحلية يحد من الضغط على اقتصاد الدول الأفريقية خاصة وأن الميزان التجاري لأغلب الدول الأفريقية يتعرض لضغط كبير من ارتفاع الدولار، وهو ما سيكون فرصة جيدة لدول القارة الأفريقية.

ويتطلب نجاح دول البريكس بخصوص مشروعها الضخم حل بعض المشكلات مثل الديون التي أغلبها بالدولار وأيضا التفاوت الكبير في الميزان التجاري بين دول المجموعة، وإيجاد سبل لتبادل المنتجات والخامات والنفط والخدمات بعيداً عن الدولار كعملة وسيطة.