يشهد لبنان منذ أكثر من عقد من الزمن تراجعاً مستمراً في مستوى الخدمات العامة، نتيجة الفساد، وسوء الإدارة، وهيمنة الأحزاب السياسية على مؤسسات الدولة. وقد ساهمت الأزمات الاقتصادية والمالية في تعميق هذا التدهور، لا سيّما في المرافق الحيوية كالكهرباء، والمطار، والمرافئ، والمياه.
وعلى الرغم من إقرار قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص عام 2017 كخطوة إصلاحية تهدف إلى إشراك القطاع الخاص في تنفيذ المشاريع الاستثمارية وتحديث البنية التحتية، إلا أنّ التجاذبات والمناكفات السياسية أفشلت هذا المسار، وأدّت إلى إحجام المستثمرين المحليين والأجانب عن التقدم بأي مبادرات، لغياب الثقة والوضوح في الرؤية الاقتصادية. كما أنّ الحكومات المتعاقبة لم تطرح أي مشاريع فعلية تتيح تطبيق هذا القانون، مما ساهم في تفاقم التراجع على مستوى الخدمات، خصوصاً في ظلّ اعتراض بعض الجهات السياسية على تطوير مرافق مهمة، مثل مطار القليعات ومرافئ طرابلس، صيدا، وجونية.
"مجلة 24 " سألت رئيسة جمعية السيدات القياديات في لبنان مديحة رسلان كونها من السيدات البارزات في عالم الاعمال في القطاع الخاص عن وجهة نظرها في موضوع الشراكة بين القطاعين العام والخاص ومشروع الخصخصة المطروح اليوم فقالت "
اليوم، مع انطلاقة العهد الجديد، عاد موضوع خصخصة بعض المرافق العامة إلى الواجهة كخيار مطروح لمعالجة الترهل الإداري والمالي، وتحسين جودة الخدمات. إلا أن الخصخصة لا تعني بيع ممتلكات الدولة، بل يمكن أن تتم عبر شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص تُبقي الدولة في موقع المنظِّم والمراقِب، وتحمي حقوق المواطنين.
في قطاع الكهرباء، على سبيل المثال، يمكن للخصخصة الجزئية في مجالات الإنتاج أو التوزيع أن تساهم في الحدّ من الخسائر والانقطاعات، بشرط أن تتم ضمن رؤية عادلة لا ترفع كلفة الخدمة على المواطن. أما في ما يخصّ المطار والمرافئ، فإن إدارتها عبر القطاع الخاص قد يؤدي إلى تطوير البنية التحتية وزيادة الإنتاجية وتعزيز الشفافية، ما سينعكس إيجاباً على التجارة والسياحة والنمو الاقتصادي.
إن نجاح مشروع الخصخصة في لبنان يتطلب:
- رؤية وطنية واضحة لدور الدولة كمنظّم ورقيب.
- بيئة قانونية وتشريعية شفافة وعادلة.
- مؤسسات رقابية مستقلة وقضاء فعّال.
- إشراك المجتمع المدني ومؤسسات الرقابة في اتخاذ القرار.
الخصخصة ليست حلاً سحرياً، لكنها قد تكون أداة فاعلة ضمن خطة إصلاح شاملة تعيد الثقة بالدولة، وتؤسس لنمو اقتصادي مستدام وعادل يخدم جميع المواطنين دون استثناء.
وهنا يبرز أيضاً دور *تنفيذ اللامركزية*، التي نص عليها اتفاق الطائف، كأحد المفاتيح الأساسية لأي إصلاح فعلي. فاللامركزية تعطي دوراً فعّالاً للبلديات، باعتبارها الأقرب إلى حاجات الناس والأدرى بتفاصيل التنمية في مناطقها. يمكن للبلديات، من خلال صلاحيات واضحة وتمويل مستدام، أن تكون شريكاً حقيقياً في تنفيذ مشاريع البنية التحتية والخدمات، وتفتح الباب أمام خصخصة محلية منظمة وفعالة، بعيداً عن الروتين والفساد المركزي.
إن اللامركزية قد تشكل بوابة حقيقية لإعادة بناء الدولة، من القاعدة إلى القمة، عبر تمكين السلطات المحلية، وتحفيز المبادرة، وضمان توزيع عادل للموارد، ما يساهم في تحقيق إنماء متوازن، ويُمهّد لخصخصة صحية، تدريجية، ومرتبطة باحتياجات كل منطقة.
إن نجاح الخصخصة وتنفيذ اللامركزية يتطلبان معاً:
- رؤية وطنية واضحة للدولة ومهامها.
- تشريعات حديثة وآليات رقابة فعّالة.
- تمكين السلطات المحلية إدارياً ومالياً.
- شراكة شفافة بين القطاعين العام والخاص.
- ومشاركة حقيقية للمواطن في رسم السياسات المحلية.
بهذه المقاربة المتكاملة، يمكن الانتقال من دولة مثقلة بالأزمات إلى دولة مرنة، منتجة، وخادمة لمواطنيها بفعالية وعدالة.