يعيش القطاع الصحي في بريطانيا أسوأ حالاته، حيث تقدر هيئة الخدمات الصحية عدد الأشخاص المسجلين في قوائم الانتظار 6.8 مليون شخص، ارتفاعًا من 4.2 مليون قبل جائحة كورونا.
الأقسام ممتلئة والناس ينتظرون في سيارات الإسعاف لساعات، ومن المرجح أن يزداد الوضع سوءًا هذا العام لأن أزمة تكلفة المعيشة تؤثر في صحة الناس البدنية والعقلية ، فالحكومة لم تدفع 9 مليارات جنيه استرليني لإصلاح المستشفيات والخدمات الصحية ففي مستشفى الملكة إليزابيث في نورفولك، كان لا بد من استخدام 1528 دعامة من الصلب والخشب لرفع السقف ، ومع ذلك فقد فتحت هيئة الخدمات الصحية أبوابها لتوفير الرعاية الصحية للجميع مجانًا في أماكن معينة ، وقد لاحظ أنورين بيفان الأب المؤسس للخدمة أن الطلب على العلاج “تجاوز كل التوقعات ،اذ مع ارتفاع متوسط العمر المتوقع خلال العقود السابقة، ثبت أن النظام الصحي المصمم للتعامل مع المشكلات الحادة غير ملائم للتعامل مع العدد المتزايد من المشكلات المزمنة. وربما يكون الوباء قد وجه الضربة القاضية لهذا القطاع .
وجزء من المشكلة هو سوء التوزيع العادل، فضعف التكامل بين المستشفيات و”الرعاية الاجتماعية” يعني أن المرضى لا يتدفقون إلى المستشفيات بشكل متساو.
وفي هذا السياق تقول هيلين باكنجهام من (Nuffield Trust)، وهي مؤسسة فكرية: “سيارات الإسعاف ممتلئة لأن أقسام الطوارئ ممتلئة وأقسام الطوارئ ممتلئة لأن المستشفيات ممتلئة. ومع ذلك فإن تمويل الرعاية الاجتماعية لا يأتي من هيئة الخدمات الصحية، بل من السلطات المحلية، التي تسعى جاهدة لخفضه
وهناك مشكلة كبيرة أخرى هي نقص الموظفين، حيث يعاني نحو 11 ألف مركز طبي و46 ألف مركز تمريض من الشواغر الوظيفية. وقد يتفاقم هذا الوضع هذا العام 3، لكن لا أحد يعرف ما ستؤول إليه الأمور على وجه الدقة.
وفي هذا الشأن يقول جيريمي هانت وزير المالية الحالي ووزير الصحة السابق: “إن هيئة الخدمات الصحية” هي احتكار فقد السيطرة على سوق العمل فيها .
ولم يتضح بعد إن كان توفير الدعم المالي هو الذي سيحل المشكلات القائمة. ولكن عاجلًا أم آجلًا ستكون التغييرات الهيكلية الجذرية ضرورية. وستستمر هيئة الخدمات الصحية في كونها مشكلة سياسية بالنسبة للحكومة، وكما هو الحال مع أي جسم مريض مسن، لا يوجد علاج سريع، رغم ان هيئة الخدمات الصحية الوطنية تواجه هجرة جماعية مقلقة للأطباء والمختصين، حيث كشف تقرير أن أربعة من كل عشرة أطباء من المرجح أن يستقيلوا بسبب الضغوط، وذلك وفقًا لتقرير صادر عن اتحاد الدفاع الطبي (MDU)، الذي يوفر الدعم القانوني لنحو 200 ألف طبيب وغيرهم من العاملين في مجال الرعاية الصحية في المملكة المتحدة.
وفي استطلاع لاتحاد الدفاع الطبي شمل أكثر من 800 طبيب -ومنهم أطباء أسنان في جميع أنحاء المملكة المتحدة، وأُجرِي خلال الشهر الماضي قال 40 % إنهم من المحتمل أن يستقيلوا أو يتقاعدوا خلال السنوات الخمس المقبلة؛ بسبب “ضغوط العمل”.
ووصف المسؤولون الطبيون التقرير بأنه “مقلق جدًّا”، ولا سيما أن عدد الوظائف الشاغرة في هيئة الخدمات الصحية وصل إلى 133000 وظيفة في إنكلترا وحدها.
وفي هذا السياق قال أعضاء البرلمان: ما يجري يجب أن يوقظ الوزراء من غفلتهم، ويُعلِمهم بأن الوضع يستدعي اتخاذ إجراءات مكثفة؛ لإقناع الآلاف من موظفي هيئة الخدمات الصحية الذين هم على وشك تقديم الاستقالة وترك عملهم بالبقاء.
ويأتي التقرير في الوقت الذي نشرت فيه الحكومة استراتيجية رعاية عاجلة وطارئة. وتقول إنها ستوفر دعمًا لعشرات الآلاف من كبار السن والناس المستضعفين، وستحاول نقل بعض خدمات الرعاية في هيئة الخدمات الصحية إلى خارج المستشفيات. ومع ذلك قال مسؤولون في هيئة الخدمات الصحية: إن الخطة جاءت بعد فوات الأوان في ظل استجابة “بطيئة "
وفي هذا الصدد قال إيدي كراوتش رئيس جمعية طب الأسنان البريطانية: “هذه الأرقام مقلقة. أطباء الأسنان في هيئة الخدمات الصحية يعملون في نظام معطل، وكثير منهم فقد الأمل في التغيير”. في حين قال مات ديفيز رئيس جمعية أطباء التخدير: إن هذا التقرير كشف كيف أن “الضغط الكبير” الذي يعاني منه الموظفون الذين يعملون في “ظروف عمل قاسية” يمكن أن يجبر الآلاف على الاستقالة.
و قالت البروفيسورة كاميلا هوثورن رئيسة الكلية الملكية للأطباء: إن الأرقام تتوافق مع ما يخبرها به أعضاؤها مشيرة الى انه قد يغادر نحو خمسة عشر ألف طبيب أسرة هيئة الخدمات الصحية بالكامل في السنوات الخمس المقبلة، وفقًا للبيانات الداخلية الخاصة بالكلية.
وقال مسؤولون في هيئة الخدمات الصحية (NHS): ما لم تُتَّخذ إجراءات لوقف تصاعد أزمة القوى العاملة الرهيبة، فإن التأثير على المرضى سيكون كارثيًّا. وقال كراوتش: “ستترك كل وظيفة شاغرة جديدة آلاف المرضى غير قادرين على الحصول على الرعاية اللازمة”.
وبرأي ماثيو تايلور الرئيس التنفيذي لاتحاد هيئة الخدمات الصحية، الذي يمثل نظام الرعاية الصحية بكامله في إنكلترا وويلز وأيرلندا الشمالية: ان الامور ستزداد سوءًا إن لم تتخذ الحكومة إجراءات طارئة، ويشمل ذلك: الاستثمار في خطة القوى العاملة في هيئة الخدمات الصحية الموعودة بمراكز تدريب طبية إضافية، إضافة إلى الاستعداد للتفاوض مع النقابات على الأجور؛ لتجنب مزيد من الإضرابات المدمرة.
وأضاف: “في أجزاء كثيرة من البلاد، يعاني الناس حتى يحصلوا على موعد مع طبيبهم العام أو طبيب الأسنان، وهذا من شأنه أن يزيد الأمور سوءًا. وفي ظل ما يجري يجب أن يستفيق الوزراء المحافظون من غفلتهم، ويعملوا على إنهاء الحلقة المفرغة لنقص الموظفين”.
وقال وزير الصحة في حكومة الظل ويس ستريتنج: “تعاني هيئة الخدمات الصحية من نقص الأطباء، وليس بإمكانها تحمل المزيد من الخسائر”.
وقال متحدث باسم وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية: إن هيئة الخدمات الصحية الوطنية كانت تواجه “تحديات كبرى”؛ بسبب الإنفلونزا وكورونا والطلب المستمر على الرعاية، مضيفاً انه يوجد نقص كبير في أعداد الموظفين العاملين في الخدمة الصحية. ونحن ملتزمون بنشر استراتيجية شاملة للقوى العاملة هذا العام؛ للمساعدة في تعيين مزيد من الموظفين والاحتفاظ بهم”.