تخطي إلى المحتوى
دولية

مع اقتراب الاغلاق الحكومي من نهايته هل يبدأ عصر جديد لارتفاع الذهب

مع اقتراب الاغلاق الحكومي من نهايته هل يبدأ عصر جديد لارتفاع الذهب

في ظل التطورات الأخيرة في الأسواق العالمية، يبدو أن الذهب يعود مجددًا إلى واجهة المشهد الاقتصادي كأحد أهم الملاذات الآمنة وأكثرها حساسية للتحولات في السياسات النقدية الأميركية. فمع حفاظ زوج الذهب مقابل الدولار الأميركي (XAU/USD) على مستوى إيجابي فوق 4100 دولار للأونصة، تتجه أنظار المستثمرين نحو بنك الاحتياطي الفيدرالي الذي يواجه ضغوطًا متزايدة لخفض أسعار الفائدة في كانون الاول ديسمبر المقبل. لذا أرى أن هذا المشهد المعقد يجسد تفاعلًا دقيقًا بين السياسة النقدية والظروف السياسية الأميركية، وهو ما يمنح الذهب زخمًا استثنائيًا في المدى القصير والمتوسط.

ولقد صعد الذهب خلال الجلسات الآسيوية المبكرة اليوم إلى نحو 4150 دولارًا، مستفيدًا من ضعف الدولار وتزايد توقعات خفض الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس. وهذه التوقعات ليست عشوائية، بل تستند إلى إشارات تباطؤ واضحة في الاقتصاد الأميركي، سواء في بيانات سوق العمل أو مؤشرات ثقة المستهلك. ومع ازدياد احتمالات خفض الفائدة إلى نحو 67% في ديسمبر و80% بحلول كانون الثاني يناير، يبدو أن الأسواق بدأت فعليًا في تسعير هذا السيناريو. وبرأيي، فإن مجرد بقاء هذه التوقعات على الطاولة كافٍ لتقديم دعم قوي للذهب، حتى دون تنفيذ فعلي لخفض الفائدة بعد.

كما يُفهم من سلوك المستثمرين أن الذهب يعود للعب دوره التقليدي كأداة تحوط ضد ضعف العملة الأميركية وتراجع العائد الحقيقي. ومع انخفاض تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب نتيجة التوجه نحو سياسة نقدية أكثر تيسيرًا، فإن شهية المستثمرين تجاه المعدن الأصفر تتجدد بقوة. كما إن التحول في السياسة النقدية الفيدرالية من موقف متشدد إلى موقف أكثر حذرًا يعيد صياغة التوازن في الأسواق العالمية، ويدعم استمرار صعود الذهب نحو مستويات قياسية جديدة في حال تم تأكيد هذا الاتجاه خلال الاجتماعات القادمة.

غير أن الصورة ليست أحادية الجانب. فالتطورات السياسية في الولايات المتحدة، ولا سيما ما يتعلق بالإغلاق الحكومي، تُلقي بظلالها على حركة الذهب. فتسوية مجلس الشيوخ الأخيرة لتمهيد الطريق نحو إنهاء الإغلاق الفيدرالي ساهمت في تحسن معنويات السوق وزيادة الإقبال على الأصول عالية المخاطر، وهو ما أدى إلى بعض الضغوط التصحيحية على أسعار الذهب. ومن الطبيعي أن يؤدي تحسن الثقة إلى تراجع مؤقت في الطلب على الملاذات الآمنة، لكني أرى أن هذا التأثير سيكون محدود المدى. فحتى مع إعادة فتح الحكومة الأميركية، فإن الآثار الاقتصادية للإغلاق الطويل ستظل تُضعف ثقة المستهلكين وتبطئ وتيرة النمو، مما يعزز على المدى المتوسط الاتجاه الصعودي للذهب.

وهنا، تعتبر تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الداعمة للاتفاق بين الحزبين لإنهاء الإغلاق دفعة نفسية للأسواق، لكنها لم تُبدّد المخاوف الأعمق بشأن الأداء الاقتصادي الأميركي. فتراجع مؤشر ثقة المستهلك الأميركي إلى 50.3 في تشرين الثاني نوفمبر – وهو أدنى مستوى له منذ منتصف 2022 – يعكس هشاشة الأساس الذي يقوم عليه الانتعاش الاقتصادي. ومن وجهة نظري، فإن هذا الانخفاض في الثقة يعكس بداية دورة اقتصادية أكثر بطئًا، تدفع الفيدرالي نحو المزيد من التيسير النقدي، مما يعني أن الاتجاه العام للذهب لا يزال إيجابيًا حتى في مواجهة فترات الهدوء السياسي النسبي.

والذهب، بطبيعته، لا يتفاعل فقط مع البيانات الاقتصادية الحالية، بل مع التوقعات المستقبلية. ومع اقتراب الفيدرالي من نهاية دورة التشديد النقدي، فإن احتمالات أن يشهد عام 2025 بداية مرحلة من خفض تدريجي للفائدة تتزايد. وهذا المسار، إذا تحقق، سيُبقي الذهب في موقع قوة، خصوصًا إذا ترافق مع تباطؤ النمو العالمي وتراجع أداء الأسواق المالية. كما أن أي اضطراب جيوسياسي أو توتر تجاري جديد يمكن أن يضيف إلى هذا الاتجاه دفعة إضافية. لذلك، أعتقد أن أي تصحيح هبوطي للذهب في الأسابيع المقبلة سيشكل فرصة للشراء وليس إشارة للبيع.

أما إن تمسك الذهب بمستوى دعم قوي فوق 4100 دولار فسيُظهر مرونة واضحة في الاتجاه الصاعد. فحتى مع بعض الارتدادات الطفيفة نتيجة تحسن شهية المخاطرة أو قوة الدولار المؤقتة، فإن المسار العام يبقى إيجابيًا طالما استمرت الأسعار فوق هذا المستوى المحوري. وفي رأيي، فإن أي اختراق فوق مستوى 4150 دولارًا قد يفتح الطريق نحو قمم جديدة قرب 4200 دولار وربما أكثر، مدعومًا بزخم مشتريات المضاربين وصناديق التحوط التي تراقب عن كثب تغير نبرة الفيدرالي.

وباختصار، يمكن القول إن الذهب يقف عند مفترق طرق بين السياسة والاقتصاد، بين الإغلاق الحكومي وتوقعات الفائدة، وبين المخاطر قصيرة الأجل والفرص طويلة الأجل. وبرؤيتي، أرى أن الاتجاه الصاعد للذهب ما زال متينًا، مدفوعًا بعوامل هيكلية تتجاوز الأحداث الآنية. فطالما بقي الاقتصاد الأميركي في حالة تباطؤ، والفيدرالي في وضع دفاعي، سيظل الذهب أحد المستفيدين الرئيسيين، وربما نشهد خلال الأشهر المقبلة تحركًا مستدامًا فوق 4200 دولار للأونصة، ليؤكد من جديد مكانته كملاذ آمن لا يخفت بريقه مهما تبدلت الظروف.