أصبحت العملات النقدية في الصين شيئًا فشيئًا من الماضي ، حيث تخلّت نسبة كبيرة من المستهلكين عن الدفع نقدا لصالح الدفع باستخدام هواتفهم الذكية. وهذه الرؤية للاقتصاد غير النقدي قد تصبح واقعًا في جميع أنحاء العالم في المستقبل. ليست الصين وحدها من ترفض العملات النقدية المعدنية والورقية، بل تتربع السويد على قائمة أكثر البلدان التي تنتهج الدفع بلا عملات نقدية من الناتج المحلي الإجمالي، أي من تتبنى الاقتصاد غير النقدي. اذ يهيمن نظام الدفع بالبطاقات في السويد، في حين يدفع الناس في الصين من خلال تطبيق محلي لخدمات الرسائل شبيهًا لتطبيق واتس أب (WhatsApp). في تطبيقي "أليباي" (Alipay) و"وي تشات باي" (WeChat Pay)، أصبحت أكواد الاستجابة السريعة (QR codes) منتشرة الآن في كل مكان في الصين، بما في ذلك المحلات التجارية والمطاعم ومحطات المترو وحتى بين المتجولين والمتسولين. أي شخص يمتلك أحد التطبيقين على هاتفه الذكي، يمكنه مسح رمز الاستجابة السريعة لتحويل الأموال دون الحاجة إلى بطاقات الدفع أو جهاز قراءة الشرائح. ففي عام 2017 وحده بلغ مجموع مدفوعات الهاتف المحمول بهذه الطريقة 120 تريليون يوانًا (ما يعادل 17.5 تريليون دولارًا).
وكانت بريطانيا قد تخلت العام 2016 عن العملات الورقية، والاعتماد بدلاً منها على الأوراق المالية البلاستيكية وهي اول دولة أوروبية تصدر عملة من البولمير، أو البلاستيك، بعد أستراليا الرائدة التي اعتمدت هذه التقنية منذ 1988، وعدد من الدول الأخرى بدرجات متفاوتة من البلاستيك مثل نيوزيلندا والمكسيك وسنغافورة وكندا وجزر فيجي.
وقبل اشهر بدأت اوروبا تستعد لاطلاق اليورو الرقمى، بعد أن شهدت بيئة العملات المشفرة نشاطا مكثفا ، واتخذت حكومات الدول الأوروبية زمام المبادرة لأول مرة ، ويتم وضع أسس قانونية جديدة خاصة بالعملات الرقمية وخاصة اليورو الرقمى بعد أن كانت من المحظورات، ويأتى هذا التحرك من أجل تنظيم أكبر داخل الاتحاد الأوروبى وخاصة إسبانيا والممكلة المتحدة.
والسؤال هل تكون هذه الخطوة هي الاولى نحو التخلى عن العملات الورقية والبلاستكية تمهيداً لاعتماد العملة الرقمية ولماذا تدقق المصارف الاوروبية بالسحوبات والايداعات النقدية .
هذه الاسئلة طرحتها "مجلة 24 " على الخبير المصرفي والاقتصادي الدكتور نسيب غبريل الذي بادر
بالقول "اولا بالنسبة للقيود المفروضة في بعض الدول الاوروبية على السحوبات النقدية، ليس لها علاقة ابدا بموضوع العملات الرقمية، بل لها علاقة بإدارة السيولة لدى هذه المصارف ولها علاقة موضوع مكافحة تبييض الأموال وتمويل الارهاب واكيد هناك بعض البلدان الاوروبية تضع سقفاً على السحوبات النقدية وعلى الودائع.. وخلال جائحة كورونا فرضت مصارف كتيرة في الولايات المتحدة وأوروبا على زبائنها سقفاً محدداً للسحوبات الشهرية والاسبوعية لا يمكن تخطيه..لذلك موضوع سقف السحوبات ليس جديداً بل رائجاً ولا يقتصر على الأزمات الإقتصادية فقط، كما يحصل في لبنان وموضوع الكابيتال كونترول الذي نتحدث عنه منذ ثلاث سنوات ولم يطبق لغاية اليوم..
اجراءات المصارف
* ما الهدف من الاجراءات المشددة في المصارف الاوروبية على الايداعات والسحوبات النقدية ؟.
- حالياً لا تقبل المصارف أي إيداعات بمبلغ نقدي متوسطا كان أو كبيراً حتى يتأكدوا من مصدر المال وسبب إيداعه في المصرف وذلك لمكافحة تبيض الأموال وتمويل الإرهاب اعود واكرر الموضوع لا علاقة له بالعملة الرقمية بل ايضاً له علاقة بالتهرّب الضريبي.
اما بالنسبة لموضوع التخلي عن العملات الورقية، صحيح أن هذا الموضوع كان مطروحاً ولكنه يُدرس أكثر مما يُطبق. فالسويد مثلا كان لديها الهدف بالتخلي عن العملة النقدية بنهاية عام 2023 لكن ليس استبدالها بالعملة الرقمية.. أما الهدف من الاستغناء بنسبة معينة من هذه العملة، فهو التخفيف من تكلفة طبع العملة النقدية بالنسبة للمصارف المركزية، و الحدّ من التهرّب الضريبي والمعاملات النقدية والتشجيع على استخدام طرق الدفع البديلة، ليس فقط بالشيك او بطاقات الدفع، إذ باتت تجري المدفوعات من خلال الهاتف المحمول عبر تطبيقات التحويل الفوري للأموال وخدمات الحجوزات على أنواعها.. اما الهدف فتقليص طبع العملات النقدية وحتى استخدامها.
المصارف المركزية
* ذكرت تقارير ان بعض المصارف المركزية تدرس امكانية اصدار عملات رقمية ما هي الاسباب ؟.
- هناك اتجاه لاعتماد عملات رقمية جديدة تصدر عن المصارف المركزية، تختلف اهدافها حسب طبيعة البلدان الإقتصادية والمالية . من أولى أهداف هذه العملات هو الحدّ من التعامل بالعملة الرقمية غير الرسمية مثل البيتكوين، التي ليس لديها مصداقية واصول ومؤسسسات تدعمها، ولا حتى وجهة استخدام لإطار قانوني. تستخدم العملة الرقمية غير الرسمية للمضاربة اكثر من المعاملات لتحقيق ارباح سريعة وهي تستخدم لتبييض الأموال ودعم الإرهاب وغيرها من الأعمال غير الشرعية.
كما تختبر اليوم عدة بلدان في العالم، عبر مصرفها المركزي، اصدار عملة رقمية، لكن تبقى تحت إطار
التجربة. في اتجاه آخر، أصدرت بلداناً مثل نيجيريا عملتها الرقمية إنما لأولويات وأهداف خاصة بسياساتها الإقتصادية.. كذلك الباهاماس والصين وأيضاُ لهدف معيّن ممكن لمدفوعات التجزئة أو لتخفيض إستعمال العملة النقدية لاحقاً.
وتعمل عدة بلدان في العالم على أبحاث في موضوع العملة الرقمية عبر مصرفها المركزي، لاكتشاف تداعياتها على الاقتصاد خصوصاً أنه يُحكى عن أن العملة الرقمية ستكون لها تداعيات سلبية على القطاع المصرفي التجاري في أغلب البلدان، اذ ممكن أن تسحب ودائع من المصارف وتخفف من ايراداتها من خلال معاملات التحويل وغيرها من المعاملات المصرفية. وبعض هذه البلدان متقدمة في البحث أكثر من غيرها.. اما صندوق النقد الدولي، الذي هو مع فكرة إنشاء عملات نقدية، تدعمه أيضاً مراكز بحث في أوروبا والولايات المتحدة، حيث يدرسون جدوى هذه العملات، إضافة الى مجلس الاستقرار المالي في سويسرا، ما يؤكّد عن نيّة إيجابية عالمية لإطلاق العملة الرقمية.
وحتى في لبنان، في العام 2018، وقبل الأزمة الإقتصادية، كان هناك نقاشاً داخل مصرف لبنان لجدوى إطلاق عملة رقمية. أما اليوم فنريد أن نعرف عن تجربة البلدان الذين أطلقوا هذه العملة الرقمية ومتابعة نتائج أبحاثهم، إيجابية كانت أو سلبية.
أعتبر أن هذه المرحلة هي مرحلة المراقبة والترقّب للبلدان الذين اختبروا العملة النقدية، مع أن كل بلد له أهدافه من العملية، كما ذكرت آنفاً.. وهنا نطرح الأسئلة التي تقوم عليها الأبحاث: هل حققت البلدان أهدافها بإطلاق العملة الرقمية؟ كيف تأثر الإقتصاد والكتلة النقدية والقطاع المصرفي على كل بلد منهم؟
اعتقد أننا لن نصل بعد الى عملات رقمية صادرة عن المصرف المركزي تأخذ مكان النقد المتداول .. حتى أننا مازلنا في المرحلة الأولى من المراقبة لما سيصدر عن صندوق النقد الدولي والمؤسسات المعنية كما المصارف المركزية حول العالم.