تراجع الذهب إلى 4600 دولاراً للأونصة بعد تسجيله قمة تاريخية عند 4643 دولاراً للأونصة أمس في المعاملات الفورية، مسجلاً تصحيحاً بنسبة 0.5% عقب موجة الصعود الممتدة.
جاء هذا التصحيح بعد مسار صاعد ممتد بدأ منذ مطلع العام، وسط سرديات متباينة حول احتمالات اندلاع حرب في إيران، وهو ما أسهم في رفع مستوى التذبذب في الأسواق.
الاندفاع السابق للذهب كان مدفوعاً بتصاعد المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط، إضافة إلى بداية مخيبة لموسم إعلان النتائج الفصلية في الولايات المتحدة، تجلت في مفاجآت سلبية من بنوك كبرى.
تزامن ذلك مع مستويات متدنية جداً لمعنويات الخوف في سوق سندات الخزانة، حيث يقترب مؤشر MOVE من أدنى مستوياته منذ 2021، بينما تحوم العوائد الحقيقية لسندات الخزانة لأجل 10 سنوات قرب أعلى مستوياتها منذ أغسطس. هذا التباين يوحي بأن صعود الذهب لم يعد مرتبطاً بشكل جوهري بمنحنى العائد.
تقرير أرباح JPMorgan الأخير دفع السوق لإعادة النظر في الرهانات على الاقتصاد المتوسع والقوي. ووفقاً لما نقلته وول ستريت جورنال، فإن تراجع الأرباح بنسبة 7% كان مدفوعاً إلى حد كبير بصفقة الاستحواذ على Apple Card وبانخفاض غير متوقع في رسوم الخدمات المصرفية الاستثمارية. ورغم تفاؤل جيمي ديمون بمرونة المستهلك، فإن تحذيره من ضرورة التعامل مع العالم كما هو لا كما نريده أن يكون، جاء كتذكير واقعي بحجم المخاطر الجيوسياسية “الهائلة” المقبلة.
ردة فعل السوق على اقتراح الرئيس ترامب فرض سقف بنسبة 10% على أسعار الفائدة على بطاقات الائتمان كانت سريعة وقاسية تجاه أسهم البنوك. تدرك وول ستريت أن خطوة شعبوية كهذه قد تؤدي إلى انكماش حاد في الائتمان المتاح للفئات الأكثر هشاشة. وقد أشار جيريمي بارنوم من JPMorgan إلى أن البنك سيضع جميع الخيارات على الطاولة في حال إقرار هذا السقف، في إشارة واضحة إلى تبني موقف دفاعي قد يضغط على إنفاق المستهلكين.
فيما لا يزال القطاع المصرفي يصف قاعدة استهلاكية تتمتع بقدر لافت من الاستقرار. فقد أكد مسؤولون تنفيذيون في Bank of America وCitigroup أن معدلات التعثر لا تزال منخفضة، وأن الإنفاق يحافظ على زخمه رغم ضغوط التضخم والرسوم الجمركية.
هذه المتانة في النظام المصرفي لا تزال توفر دعم للاقتصاد ضد الصدمات، حتى مع محاولات الإدارة فرض معايير للقدرة على تحمل التكاليف في سوق الإسكان عبر تدخلات قوية في سوق سندات الرهن العقاري.
في حين تبقى العوامل الجيوسياسية الأكثر قدرة على تقويض هذا الاستقرار في أي لحظة. فعلى الرغم من أن الرئيس ترامب خفف من لهجته بالإشارة إلى توقف الإعدامات في إيران، فإن قرار الجيش الأميركي إجلاء أفراد من قطر يعكس مستوى أعلى بكثير من القلق الداخلي.
المتداولون يوازنون هذه الإشارات المتناقضة مع واقع تراجع الوجود البحري الأميركي في الشرق الأوسط، وهو ما يزيد من تعقيد أي سيناريو محتمل للتصعيد العسكري.
ووفقاً لتقارير نيويورك تايمز، فإن العائق الأكبر أمام أي تحرك عسكري أميركي قد يكون في الواقع حلفاء واشنطن في الخليج. فهذه الدول تضع أولوية لدورها كمراكز للتجارة العالمية، وتخشى أن يؤدي انهيار النظام في إيران إلى فراغ في السلطة يصب في مصلحة إسرائيل أكثر مما يخدم استقرار المنطقة. لذلك فهي تضغط باتجاه الحلول الدبلوماسية، إدراكاً منها أن قصف إيران هو معادلة خاسرة في البيئة الاقتصادية الحالية.
مجمل هذه المعطيات قد يشير إلى مفاوضات مكثفة في اللحظات الأخيرة حول ملفات حساسة. ومن الواضح أن ترامب لا يبدي اكتراثاً يُذكر بالجانب الإنساني هناك على أي حال. وإذا فشلت هذه المفاوضات، وفي حال اندلاع حرب جديدة قد تقاتل فيها إيران دفاعاً عن وجودها، فلا يمكن استبعاد أسوأ السيناريوهات المتمثلة في حرب إقليمية شاملة.