في هذا البلد المنهوب، حيث سُرقت الليرة، وابتُلعت الودائع، ودُفنت العدالة تحت أنقاض الصفقات، لم يبقَ شيء واحد خارج المزاد: ذهب لبنان. لم يبقَ لأنه مقدّس، بل لأنه فاضح. بقي لأنه الشاهد الأخير على جريمة مكتملة الأركان، ولأن من دمّروا الدولة يعرفون أن الاقتراب منه يعني سقوط الأقنعة دفعة واحدة.
لا تسألوا لماذا لم يُستعمل الذهب. اسألوا لماذا يُخيفونكم بفكرة استعماله.
الذهب لا يُنقذهم، الذهب يُدينهم ، الذهب لا يُغطّي الانهيار، بل يكشفه.
منذ اليوم الأول للأزمة، استُهلكت كل الأكاذيب: قيل لنا إن الودائع محفوظة، ثم قيل إن الدولة مفلسة، ثم قيل إن القانون يمنع المسّ بالذهب. وكأن القانون في لبنان حارسٌ أمين، لا أداة تُكسر متى تعارضت مع مصالح أهل السلطة. الحقيقة أبسط وأقسى: لم يجرؤوا على لمس الذهب لأنهم لم يجرؤوا على الاعتراف بسرقة ما عداه.
الذهب هو الخط الأحمر الوحيد الذي لم يتجاوزه النظام، لا احتراماً للدولة، بل خوفاً من المحاسبة. كل ليرة ضاعت، كل وديعة تبخّرت، كل مال عام نُهب، يمكن تمييعه بالكلام. أمّا الذهب، فلا لغة تُبرّر سرقته. هو مادة صلبة في وجه سلطة اعتادت التلاعب بالهواء.
وهنا لا بد من الحسم: الذهب ليس بنداً محاسبياً في ميزانية دولة منهارة، ولا احتياطاً تقنياً بيد مصرف مركزي مأزوم، ولا ورقة تفاوض في بازار السياسة. الذهب أصل سيادي بامتياز، من طبيعة تختلف جذرياً عن أي مال آخر. هو ملك جماعي غير قابل للتفويض، لا يخضع لأكثريات ظرفية، ولا يُدار بعقلية حكومات مؤقتة تبحث عن الوقت لا عن الخلاص.
في الدول الحقيقية، تُحاط الأصول السيادية بسياج دستوري وأخلاقي، لأنها تمثّل استمرارية الدولة لا حاجات السلطة. والذهب تحديداً هو التعبير الأكثر صلابة عن هذه الاستمرارية: ضمانة أخيرة عند انهيار العملة، وشهادة ملكية وطنية غير مرهونة للأسواق ولا للمصارف ولا للمؤسسات الدولية. لذلك لا يجوز أن يُعامَل كاحتياط قابل للصرف، بل كوديعة تاريخية لا تُفتح إلا بقرار وطني جامع، وفي لحظة تأسيسية تعيد تعريف الدولة نفسها.
ولو استُخدم الذهب في ذروة الانهيار، لكان مصيره كمصير كل ما سبق: بيع عشوائي، هدر مقصود، وتبديد منظّم لشراء أشهر إضافية من السلطة. كان سيُحرَق ليُنقذ نظاماً فاسداً، لا شعباً جائعاً. ولهذا تركوه حيث هو، لا بدافع الحكمة، بل بدافع الرعب.
نقولها بوضوح: الذهب ليس ملك السلطة، ولا مصرف لبنان، ولا المصارف التجارية. الذهب ملك الشعب، وحقّ الأجيال القادمة. وأي محاولة للمسّ به اليوم، قبل استعادة الدولة والقضاء والمحاسبة، هي اعتداء مباشر على ما تبقّى من السيادة الوطنية.
نعم، يمكن الاستفادة من الذهب، ولكن ليس كما يريدون.
لا تسييل بلا دولة.لا تسييل بلا محاسبة. لا تسييل بلا قانون سيادي واضح يربط الذهب حصراً باستعادة الودائع، وببناء اقتصاد منتج، وتحت رقابة وطنية ودولية صارمة. وأي طرح خارج هذه الشروط ليس خطة إنقاذ، بل صفقة نهب أخيرة.
نحذّر بوضوح: المسّ بالذهب اليوم هو إعلان إفلاس أخلاقي قبل أن يكون مالياً. هو نقل الجريمة من الحاضر إلى المستقبل. هو سرقة موصوفة من جيوب من لم يولدوا بعد.
ذهب لبنان ليس احتياطاً مالياً فقط. هو آخر حدود الكرامة الوطنية. ومن يمدّ يده إليه قبل سقوط منظومة الإفلات من العقاب، يوقّع بيده إدانته السياسية والتاريخية.
سيبقى الذهب حيث هو، لا لأن السلطة تحميه، بل لأن الشعب لم يقل كلمته بعد. وحين تُقال الكلمة، لن يكون الذهب أداة إنقاذ للمنظومة، بل ورقة في يد وطن يُعيد بناء نفسه … أو لن يكون هناك وطن.