تخطي إلى المحتوى
تحليل

صار_الوقت نحكيها "زي ما هي"

صار_الوقت نحكيها "زي ما هي"

من حاكم النقد إلى مدير الانهيار: تشريح تاريخي لأداء حاكمية مصرف لبنان -التاريخ القريب وبإختصار.

لم تكن أزمة لبنان النقدية والمالية نتيجة خطأ واحد أو قرار معزول، بل حصيلة مسار طويل من انحراف دور مصرف لبنان عن وظيفته الدستورية، وتحويل الحاكمية من سلطة نقدية مستقلة إلى أداة لإدارة التوازنات السياسية وتأجيل الاستحقاقات. من إدمون نعيم إلى كريم سعيد، مروراً بكل من تعاقب على الحاكمية أصيلاً أو بالإنابة، يتّضح أن المشكلة لم تكن في الأشخاص فقط، بل في نموذج حاكمية فقد تدريجياً معنى الاستقلال والمساءلة.

إدمون نعيم: حاكم النقد في زمن الدولة

مع إدمون نعيم، كان مصرف لبنان ما يزال يتحرك ضمن منطق الدولة، لا المنظومة. رغم محدودية الأدوات والضغوط السياسية في مرحلة ما بعد الحرب، حافظت الحاكمية حينها على فهم تقليدي لوظيفتها: استقرار نقدي حذر، تمويل مشروط، وحدود واضحة بين السياسة النقدية وتمويل الدولة. لم تكن المرحلة مثالية، لكنها لم تشهد بعد تذويب المخاطر أو إخفاء الخسائر.

رياض سلامة: من الاستقرار إلى الهندسة ثم الانهيار

مع رياض سلامة، دخل مصرف لبنان أطول وأخطر فصوله. في بداياته، قُدّم الاستقرار النقدي كإنجاز مطلق، لكنه كان استقراراً قائماً على تراكم دين، جذب ودائع قصيرة الأجل، وتثبيت سعر صرف بلا إنتاج. لاحقاً، تحوّل المصرف المركزي إلى مهندس مالي لا حارس نقدي، عبر هندسات ضخّمت الميزانية، أخفت الخسائر، وخلقت أرباحاً دفترية وهمية. في هذه المرحلة، لم يعد المصرف المركزي منظِّماً للنظام المالي، بل قلبه النابض بالمخاطر. وعندما وقع الانهيار، سقط الادعاء بالاستقرار، وبقيت الخسائر بلا اعتراف ولا توزيع عادل.

الحاكمية بالإنابة: إدارة الفراغ لا كسر المسار

تسلّم الحاكمية بالإنابة وسيم منصوري في لحظة حرجة، لكن الأداء اقتصر على إدارة الفراغ لا تصحيح المسار. لم يُقدَّم كشف شفاف للفجوة المالية، ولم تُبادر الحاكمية المؤقتة إلى فرض منطق مؤسسي جديد، بل اكتفت بتسيير الانهيار بأقل كلفة سياسية ممكنة. هكذا تحوّلت المرحلة الانتقالية إلى استمرار مقنّع للنهج السابق.

كريم سعيد: خطاب التنسيق بدل موقف الحاكم

مع كريم سعيد، عادت اللغة الناعمة: التزام بسياسة الحكومة، تنسيق كامل، نقاش تحسينات. لكن ما يغيب عن هذا الخطاب هو جوهر وظيفة الحاكم: ليس التنسيق السياسي، بل المصارحة النقدية. لم يسمع اللبنانيون حتى الآن موقفاً واضحاً من حجم الخسائر، ولا من حدود ما يمكن رده من الودائع، ولا من توزيع المسؤوليات بين الدولة والمصارف والمصرف المركزي. التنسيق، حين يحلّ مكان القرار، يصبح غطاءً جديداً للتأجيل.

المشكلة البنيوية: حاكمية بلا محاسبة وبرلمان بلا مساءلة

المعضلة لا تقف عند باب المصرف المركزي. فالبرلمان، الذي يفترض أن يكون سلطة محاسبة، تعامل مع حاكمية مصرف لبنان لعقود كـصندوق أسود محصّن. لم يُسائل، لم يفرض شفافية، ولم يربط السياسات النقدية بالنتائج. وهكذا نشأ تحالف صامت: حاكمية تدير المخاطر بعيداً عن الضوء، وبرلمان يشرّع من دون محاسبة، وحكومات تستفيد من التمويل المؤجَّل.

الخلاصة، استعادة المعنى قبل تغيير الأسماء. المطلوب اليوم ليس تغيير الأشخاص فحسب، بل استعادة معنى الحاكمية:

حاكم يقول الحقيقة قبل أن ينسّق،

يعترف بالخسائر قبل أن يعد،

ويخضع للمساءلة قبل أن يطالب بالثقة.

من دون ذلك، سيبقى مصرف لبنان ينتقل من حاكم إلى آخر، بينما تستمر الوظيفة نفسها: إدارة الانهيار بدل قطعه، وتأجيل المحاسبة بدل فرضها.