تخطي إلى المحتوى
تحقيقات

حين سبقت التعاميم القانون: كيف جرى تفريغ حق المودع قبل تشريعه.

حين سبقت التعاميم القانون:  كيف جرى تفريغ حق المودع قبل تشريعه.

قبل أن يصل مشروع قانون الفجوة المالية إلى البرلمان، كانت فكرته قد طُبّقت فعلياً عبر تعاميم مصرف لبنان. فالتعاميم الأساسية، من 150 إلى 165، لم تكن مجرد إجراءات تقنية لإدارة ظرف استثنائي، بل مساراً متدرجاً لإعادة تعريف الوديعة نفسها. انتقلت الوديعة من كونها حق ملكية خاصاً ومطلقاً، إلى رصيد قابل للإدارة، ثم إلى التزام مؤجَّل مشروط بالسيولة والقرار والسقف. التمييز بين "أموال قديمة" و"أموال جديدة"، تحويل السحب إلى امتياز إداري لا حق قانوني، ربط القيمة الفعلية للوديعة بقنوات انتقائية لسعر الصرف، كلها لم تكن تفاصيل تشغيلية، بل عناصر تأسيسية لمنطق الفجوة: تقسيط الخسارة بدل ردّ الحق. بهذا المعنى، لم يولد قانون الفجوة في مجلس الوزراء، بل وُلد في مصرف لبنان، ويُطلب اليوم من السلطة التشريعية أن تمنحه الشرعية القانونية. المشكلة ليست فقط في مضمون القانون المقترح، بل في ما يسعى إلى تكريسه: تحويل الاستثناء إلى قاعدة، وتعليق الحق باسم الواقعية، وإقفال مسار المحاسبة عبر تشريع ما فُرض بالأمر الواقع. أي قانون لا يبدأ بإعادة تعريف الوديعة كحق كامل غير قابل للتفاوض، ولا يحدّد المسؤوليات قبل توزيع الخسائر، لن يكون قانون تعافٍ، بل قانون إدارة انهيار.

من التعاميم إلى الفجوة: أين خالف مصرف لبنان قانون النقد والتسليف؟

ما جرى عبر التعاميم الأساسية لمصرف لبنان لم يكن فراغاً قانونياً، بل انحرافاً عن موجبات واضحة نصّ عليها قانون النقد والتسليف. فالقانون حمّل المصرف المركزي مسؤوليات محدّدة: حماية النقد، الحفاظ على الاستقرار المالي، تنظيم عمل المصارف، وصون النظام الائتماني بما يحمي حقوق المودعين لا بما يعلّقها. غير أن التعاميم من 150 إلى 165 سارت في اتجاه معاكس؛ إذ استُبدلت الرقابة بالمساكنة، والاستقرار بالإدارة الظرفية، وحماية الحقوق بتقنيات تسييل الخسارة. فالتمييز بين أموال "قديمة" و"جديدة"، وتحويل السحب إلى امتياز إداري، وربط القيمة الفعلية للوديعة بقنوات انتقائية وسقوف تشغيلية، كلها إجراءات لم تعالج اختلالات الميزانيات ولم تُفعّل أدوات المحاسبة المنصوص عليها في القانون، بل أدارت العجز ووزّعته زمنياً. بهذا المعنى، لم تُستخدم صلاحيات مصرف لبنان لفرض إعادة هيكلة شفافة، أو لفرز المصارف القابلة للحياة من المفلسة، أو لإلزام الإدارات بتحمّل الخسائر وفق تراتبية قانونية تحمي المودع. بل جرى، عملياً، تعليق الحق بحكم الأمر الواقع، ثم يُطلب اليوم من قانون الفجوة المالية أن يمنح هذا التعليق شرعية تشريعية. المشكلة ليست تقنية ولا ظرفية؛ إنها مسألة التزام بالقانون: فحين تُدار الأزمة بتعاميم تتجاوز روح النقد والتسليف، يتحوّل القانون من مرجعية مُلزِمة إلى غطاء لاحق، وتتحوّل الوديعة من حق مصون إلى التزام مؤجَّل قابل للتفاوض. أي تعافٍ حقيقي يبدأ بإعادة الاعتبار لوظيفة المصرف المركزي كما حدّدها القانون، لا بتشريع ما خالفها.