لم يكن المواطن في لبنان شريكاً في الهندسات، ولا صانعاً للسياسات النقدية، ولا طرفاً في قرارات تثبيت الصرف ولا في تعطيل الرقابة. ومع ذلك، وُضع في قلب الانهيار وكأنه المسؤول الأول عن تحمّل كلفته. المودع الذي حُجزت أمواله في المصارف لم يُستشر حين استُخدمت ودائعه لتمويل دولة عاجزة. العامل الذي خسر وظيفته لم يكن طرفاً في قرار إدارة الأزمة بالصمت. والمؤسسة التي مُنعت من الوصول إلى أموالها لم توقّع يوماً على عقد تعليق حقوقها. ومع ذلك، يُطلب من الجميع اليوم أن "يتفهّم"، أن "يتكيّف"، وأن "يمتثل".
هذه ليست أزمة أرقام. هي أزمة علاقة بين دولة ومجتمع. أزمة حين تُعلَّق حقوق الملكية الخاصة بتعاميم إدارية، ثم يُطلب من أصحاب هذه الحقوق أن يثقوا بمن علّقها. فالمودع لم يفقد فقط القدرة على سحب أمواله، بل فقد المعنى القانوني لوديعة كان يُفترض أن تكون حقاً غير قابل للتفاوض. تحوّلت الوديعة من ملكية خاصة إلى رصيد يُدار، ثم إلى التزام مؤجّل، ثم إلى عبء يُراد تقسيطه باسم الواقعية.
العامل الذي خسر وظيفته لم يخسر دخله فقط، بل خسر منظومة كاملة من الوساطة الاقتصادية. حين تعطّلت المصارف، تعطّل التمويل، وتوقّف الائتمان، وانكمش الإنتاج. لم يكن ذلك نتيجة "سوء حظ"، بل نتيجة قرار واضح بإدارة الانهيار بدل مواجهته. فالاقتصاد لا يموت فجأة؛ يُخنق تدريجياً حين تُشلّ الوساطة المالية، وحين يُترك القطاع الخاص بلا تمويل، وبلا رؤية، وبلا أفق.
أما المؤسسة، الصغيرة كانت أم المتوسطة، فقد وُضعت في موقع المستحيل: تُطالب بالاستمرار، بدفع الأجور، بالالتزام الضريبي، وبالامتثال، فيما مصرفها يتوقّف عن منح أي تسهيلات، ويقفل أبواب الائتمان، ويعاملها كمخاطر يجب تجنّبها لا كشريك في التعافي. هكذا، تحوّل القطاع المنتج من ضحية إلى متّهم، ومن رافعة محتملة للخروج من الأزمة إلى عبء تُترك له مهمة التكيّف وحده.
ما يجمع هؤلاء جميعاً هو أن الدولة خاطبتهم دائماً من موقع النتيجة، لا من موقع السبب. لم تُصارحهم بحجم الخسائر حين وقعت، بل أدارتها بصمت. لم تُحدّد المسؤوليات، بل وزّعت الكلفة. ولم تطرح خطة مكتوبة للخروج من الانهيار، بل اكتفت بتعاميم، ثم بقوانين تُراد لشرعنة ما فُرض بالأمر الواقع.
الأخطر أن هذا المسار قُدِّم على أنه واقعي. الواقعية هنا ليست الاعتراف بالحقيقة، بل تطبيع الظلم. أن يُقال للمودع إن أمواله "غير متوفّرة حالياً"، من دون تحديد من استخدمها وكيف ولماذا. أن يُقال للعامل إن السوق لا تتحمّل، من دون الاعتراف بأن السوق خُنقت بقرارات نقدية ومالية خاطئة. وأن يُقال للمؤسسة إن التمويل متوقّف، فيما المصارف لم تُفرَز، ولم تُحاسَب، ولم يُعاد هيكلتها.
في أي دولة قانون، يبدأ التعافي من نقطة واحدة: تعريف الحق. ما هو حق المودع؟ ما هو حق العامل؟ ما هو حق المؤسسة؟ ثم تُحدَّد الخسائر، ثم تُوزَّع المسؤوليات، ثم تُبنى السياسات. في لبنان، عُكس المسار: أُديرت الخسائر أولاً، عُلّقت الحقوق، ثم طُلب من المجتمع أن يقبل بالقوانين كخاتمة لا كبداية.
وحين يُطرح اليوم قانون الفجوة المالية، أو تُستخدم أدوات نقدية لتوسيع الجباية، يشعر المواطن بأن الدولة تُتقن التتبع قبل العدالة. تُحسن بناء القدرة على الرصد، لكنها تتردّد في استعادة الحقوق. تُطالب بالامتثال الضريبي، فيما الودائع ما زالت معلّقة، والمصارف بلا فرز، والمسؤوليات بلا تسمية. هنا لا تعود المشكلة تقنية، بل أخلاقية–سياسية: دولة تطلب الواجبات قبل أن تُنهي تعليق الحقوق تفقد شرعيتها المعنوية.
ليس المطلوب معجزة، ولا إنكاراً لحجم الانهيار. المطلوب مسار واضح: اعتراف صريح بالخسائر، تحديد مسؤوليات الدولة والمصارف والمساهمين، إعادة هيكلة فعلية للقطاع المصرفي، وخطة مكتوبة تُعيد الوساطة المالية إلى وظيفتها الطبيعية. من دون ذلك، سيبقى المواطن أسير انتظار مفتوح، وسيبقى الاقتصاد يدور في حلقة كاش بلا إنتاج، وجباية بلا ثقة، وتنظيم بلا عدالة.
كلماتي هذه ليست صرخة، بل تذكير بسيط: المواطن ليس بنداً في ميزانية الخسائر، ولا متغيّراً يمكن إدارته زمنياً. هو أساس أي تعافٍ. وأي سياسة لا تبدأ بإعادة الاعتبار لحقوقه، ليست إصلاحاً، بل استمراراً للجريمة بلغة أكثر تهذيباً.