تخطي إلى المحتوى
تحليل

قانون الفجوة المالية على طاولة لجنة المال والموازنة: هل نُشرّع الخسارة أم نعيد تعريف الحق؟

قانون الفجوة المالية على طاولة لجنة المال والموازنة: هل نُشرّع الخسارة أم نعيد تعريف الحق؟

قريباً، يعود مشروع قانون الفجوة المالية إلى الواجهة التشريعية، وهذه المرّة من بوابة لجنة المال والموازنة النيابية. العودة بحد ذاتها ليست حدثاً استثنائياً في بلد اعتاد إعادة تدوير أزماته، لكن ما يجعل هذه المحطة حسّاسة فعلاً هو السؤال الآتي: هل سيكون النقاش استكمالاً لمسار إدارة الانهيار بأدوات قانونية، أم لحظة تصحيح تعيد الاعتبار إلى معنى الحق ودور الدولة كمرجعية قانونية لا كوسيط تسويات؟

حتى الآن، لا مؤشرات مطمئنة. فمشروع قانون الفجوة المالية، كما طُرح في صِيَغه المختلفة، لم يُكتب كقانون حقوق، ولا كإطار تعافٍ بالمعنى الدستوري، بل كوثيقة إدارة نزاع بين أطراف المنظومة نفسها. الدولة تبحث عن تخفيف مسؤوليتها، السلطة النقدية تسعى إلى تحصين الماضي، والمصارف تريد تقنين الخسائر لا الاعتراف بها. أما المودع، صاحب الحق الأصلي، فيغيب عن الصياغة، أو يُختزل إلى رقم إجمالي في جدول فجوة، بلا صفة قانونية فردية، وبلا أفق مطالبة واضح. وهذا الغياب ليس تفصيلاً تقنياً، بل خلل بنيوي في الفلسفة التي تحكم النص.

المشكلة الأساسية أن قانون الفجوة يُقدَّم اليوم وكأنه استجابة حتمية لواقع مفروض، فيما الحقيقة أن هذا الواقع لم ينشأ فجأة، ولم يولد في البرلمان. الفجوة المالية طُبّقت عملياً قبل تشريعها، عبر مسار طويل من التعاميم الصادرة عن مصرف لبنان، والتي أعادت تعريف الوديعة تدريجياً من حق ملكية خاص ومطلق، إلى رصيد قابل للإدارة، ثم إلى التزام مؤجَّل مشروط بالسيولة والقرار والسقف. التمييز بين أموال "قديمة" وأموال "جديدة"، تحويل السحب إلى امتياز إداري لا حق قابل للمطالبة، وربط القيمة الفعلية للوديعة بقنوات انتقائية لسعر الصرف، لم تكن إجراءات ظرفية معزولة، بل بنية تأسيسية لمنطق الفجوة نفسه. بهذا المعنى، لم يأتِ مشروع القانون ليُصلح انحرافاً، بل ليُشرعن ما فُرض بالأمر الواقع.

من هنا، فإن أي نقاش جدي داخل لجنة المال والموازنة لا يمكن أن يبدأ من سؤال "كيف نُقفل الفجوة؟"، بل من سؤال أعمق وأكثر إزعاجاً: كيف جرى تفريغ حق المودع قبل تشريعه، ومن يتحمّل مسؤولية هذا التفريغ؟ تجاهل هذا السؤال، أو القفز فوقه باسم الواقعية، يعني عملياً تحويل المجلس النيابي من سلطة تصحيح إلى سلطة تصديق.

الانحراف الثاني في مشروع القانون يكمن في استبدال منطق الواجب بمنطق "توزيع الأعباء". في الدولة القانونية، الواجبات تُحدَّد وتُحاسَب، لأن الواجب يفترض مسؤولية. أما "العبء"، فهو مفهوم رمادي يُطلب من الجميع تحمّله، بمن فيهم من لم يرتكب أي خطأ. حين يُستبدل واجب الدولة، وواجب المصرف المركزي، وواجب إدارات المصارف، بمنطق العبء الجماعي، يُفرَّغ القانون من جوهره الأخلاقي والدستوري، ويتحوّل إلى أداة إدارة خسارة لا أداة عدالة. هنا تحديداً يجب أن يتوقف النقاش النيابي، لا أن يمرّ عليه مرور الكرام.

يزداد هذا الخلل خطورة حين يُحمَّل مصرف لبنان ما لا يحتمل. الصِيَغ المتداولة لمشروع الفجوة تُلقي على عاتق المصرف المركزي التزامات طويلة الأجل تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات، في وقت تُظهر الوقائع المالية أن هذه القدرة غير موجودة إلا عبر استنزاف إضافي للأصول أو عبر تأجيل الخسائر بأشكال ملتوية. هذا المسار لا يعيد الودائع، بل يمدّد أزمة المودع، ويحوّل حقه إلى وعد مؤجَّل بلا ضمانات، ثم يُقدَّم سياسياً على أنه "أفضل الممكن". الأخطر من ذلك أن هذا الخيار يُستخدم لتبرئة الأطراف الأخرى من مسؤولياتها، وكأن المصرف المركزي كيان منفصل عن الدولة، أو صندوقاً بلا تاريخ.

في هذا السياق، تصبح مسؤولية لجنة المال والموازنة مفصلية. دورها ليس تقنياً ولا إجرائياً، بل توجيهي وتشريعي بامتياز. المطلوب منها ليس تحسين الصياغة أو تعديل الأرقام، بل إعادة ضبط البوصلة. أي نقاش لا يبدأ بإعادة تعريف الوديعة كحق ملكية خاص غير قابل للتفاوض، ولا يحدّد المسؤوليات قبل توزيع الخسائر، هو نقاش يُعيد إنتاج الانهيار بلغة قانونية.

قانون الفجوة المالية يمكن أن يكون مدخلاً لمسار تعافٍ حقيقي، لكن فقط إذا كُتب بعقلية الدولة لا بعقلية الصفقة. التعافي لا يبدأ بتقنين الخسارة، بل بتسمية من صنعها. لا يبدأ بتأجيل العدالة، بل بإعادتها إلى قلب النص. ولا يُبنى على تعليق الحقوق باسم الواقعية، بل على استعادة منطق الحق والواجب.

رئيس لجنة المال والموازنة وأعضاؤها أمام لحظة لا تحتمل التدوير. التاريخ لن يسأل إن كان القانون متماسكاً تقنياً، بل إن كان قد حمى الحق أو شرعن ضياعه. الفجوة المالية ليست رقماً يُغلق، بل علاقة تُعاد صياغتها بين الدولة ومواطنيها. إما أن تُستعاد هذه العلاقة على قاعدة القانون، أو يُقنَّن الانهيار باسم التشريع.