تخطي إلى المحتوى
تحليل

من تنسيق عالمي إلى انهيار محلي: حين تتحول القمم إلى مسرح

من تنسيق عالمي إلى انهيار محلي:  حين تتحول القمم إلى مسرح

لم يبدأ الاضطراب في النظام الدولي مع تكدّس الأزمات، بل مع تآكل القواعد التي كانت تضبط إدارتها. الولاية الثانية لدونالد ترامب لم تكن مجرد فصل سياسي أميركي صاخب، بل لحظة كاشفة لانكسارٍ أعمق في بنية النظام العالمي. لم يعد الالتزام بالقواعد أمراً مسلّماً به، ولا التحالفات ثابتة، ولا المؤسسات متعددة الأطراف مرجعية ملزمة. هكذا، وبسرعة، انتقل العالم من نظام قائم على التنسيق إلى فضاء تحكمه المساومات، ومن منطق القواعد إلى منطق النفوذ.

هذا التحوّل لم يكن نظرياً. جاء في توقيت بالغ الحساسية: قبل أن يتعافى الاقتصاد العالمي من آثار الأزمة المالية العالمية، وقبل أن تُسعَّر المخاطر المناخية مؤسسياً، وقبل أن تُحل أزمات الدين في الاقتصادات الناشئة، وقبل أن تتكيّف البنى الأمنية مع واقع تعددية الأقطاب. الأسواق تحركت أسرع من المؤسسات، والمخاطر أُعيد تسعيرها بشكل غير متكافئ، فيما انتقلت كلفة عدم اليقين، مرة جديدة، إلى الأطراف الأضعف.

بالنسبة للدول المتقدمة، وفّر هذا الانفلات هامش مناورة استراتيجياً. أما بالنسبة للاقتصادات الناشئة، فكان ترجمة مباشرة للهشاشة. ضعف في قواعد التجارة، غموض أمني يرفع كلفة الحماية، وتفتت نقدي يزيد الارتهان للدولار في لحظة يصبح فيها هذا الارتهان أكثر كلفة. ما بدا في المركز سيادة وطنية فُسِّر في الأطراف كفوضى بلا حكم.

في هذا السياق، لا يمكن قراءة قمم دافوس، أو اجتماعات مجموعة العشرين، أو مؤتمرات المناخ، أو حتى تجمعات البريكس، كمساحات محايدة للتنسيق العالمي. بل باتت أقرب إلى منصات تحاول الحفاظ على دورها الرمزي في عالم تجاوزها عملياً. السؤال لم يعد: هل هذه المنتديات مهمة؟ بل: هل ما زالت قادرة على فرض نتائج في نظام يكافئ التأجيل، والغموض، والعمل الأحادي؟

لبنان لا يراقب هذا التحوّل من الهامش. هو يدفع ثمنه مباشرة في شكل ارتفاع حاد في علاوات المخاطر التي يفرضها الدائنون والأسواق على أي تعامل معه، وتشديد المصارف الدولية سياسات خفض المخاطر عبر تقليص العلاقات المصرفية ورفع كلفة الامتثال والتحويل، ما خنق ما تبقّى من تدفقات مالية. بالتوازي، تحوّل التردّد الدولي والانشغال بالمسارات الإجرائية إلى عامل تعطيل فعلي، أدّى إلى تأخير قاتل في مقاربة الأزمة المالية، وترك الانهيار يتآكل ذاتياً من دون قرار أو تحمّل مسؤولية وهنا تكمن خطورة ما يمكن تسميته مسرح الحوكمة العالمية. حين تعجز منصات التنسيق عن إنتاج قرارات ملزمة ضمن أطر زمنية واضحة، لا تنتظر الأسواق. هي تسعّر المخاطر فوراً، ولكن بشكل غير عادل. لا لأن الأساسيات الاقتصادية تتدهور فجأة، بل لأن النظام العالمي يفتقر إلى آليات احتواء سريعة تمنع تحوّل عدم اليقين إلى عدوى. يكفي النظر إلى ما يجري في أسواق الذهب والفضة: قفزات حادّة، تقلبات غير مبرَّرة بالعرض والطلب، وانتقال متسارع نحو الأصول المادية بوصفها ملاذاً من غموض السياسة لا من ضعف الاقتصاد. رؤوس الأموال تنسحب، آجال التمويل تقصر، والعملات تضعف، لا كعقاب، بل كاستجابة عقلانية لنظام مجزّأ فقد قدرته على إنتاج يقين قابل للتسعير.

سياسات خفض المخاطر مثال صارخ على ذلك. تُرفع شعارات الامتثال والنزاهة المالية، لكن كلفة التطبيق تُرحَّل إلى الأنظمة الأضعف. دول مثل لبنان تخسر علاقات مصرفية مراسلة، ويتقلّص تمويل التجارة، ويُدفع النشاط الاقتصادي قسراً نحو النقد واللا-نظام. المفارقة أن نظاماً صُمّم لتقليل المخاطر ينتهي بتضخيمها، وأن هروب الرساميل نحو الذهب في المركز يقابله توسّع اقتصاد الكاش في الأطراف، وكلاهما وجهان لانهيار الثقة نفسها.