عاد الحديث عن عملة موحدة جديدة تعتزم دول مجموعة "بريكس" إطلاقها، من أجل اعتمادها في المبادلات التجارية بين تلك الدول، وبينها وبين العالم، في سبيل منافسة الدولار الأميركي الذي يهيمن كعملة مرجعية على معظم التجارة العالمية، من أجل القضاء على تلك الهيمنة.
ولا يعد الحديث عن عملة موحدة لـ"بريكس" قضية جديدة، بل أُثيرَت منذ سنوات، غير أنها تكتسب إلحاحاً كبيراً مؤخراً، بخاصة بعد الحرب في أوكرانيا، إذ أصبح الدولار أداة عقابية ضد الاقتصاد الروسي، ما دفعه إلى البحث عن بدائل جديدة لتجارته الخارجية، على رأسها النفط والحبوب.
هناك العديد من الأسباب التي تدعو للقلق بشأن مستقبل الاقتصاد الأميركي، لكن هل من المتوقع أن يفقد الدولار مكانته كعملة احتياطية أولى عالميا في المدى القريب؟
في تقرير نشرته مجلة "ناشونال إنترست الأميركية "، يقول الكاتب ديزموند لاكمان إن محاولة التنبؤ بمستقبل الدولار تفرض الإجابة عن سؤالين أساسيين، أولا: هل هناك منافس جدي يمكن أن يحل مكانه كعملة احتياطية عالمية؟ ثانيا: ألن يكون وجود الدولار مفيدا إذا انفجرت فقاعة الأصول والائتمان على مستوى عالمي؟
ويعتقد الكاتب أن الإجابة عن هذين السؤالين تفضي إلى القول إن الدولار لا يبدو على وشك فقدان مكانته كعملة أولى عالميا على المدى القريب.
ةالسبب ان العملات الاخرى تعاني حاليا مشاكل خطيرة، وربما تكون في وضع أسوأ من الدولار، حسب قول الكاتب، إذ يعيش اليورو (المنافس الرئيسي للدولار) أزمة حقيقية بسبب حالة الركود الاقتصادي التي تعيشها أوروبا، ويبدو الاتحاد الأوروبي على أعتاب أزمة ديون جديدة قد تشكل تهديدا وجوديا لعملته.
ولا يمكن للعملتين اليابانية والصينية (الين واليوان) أن تمثلا تهديدا حقيقيا للدولار في الوقت الراهن لأنهما لا تُستخدمان على نطاق واسع عالميا، وتعيش اليابان عجزا قياسيا بالميزانية، كما تشهد الصين أزمة ديون حادة وتفرض قيودا صارمة على رأس المال مما يستبعد إمكانية اعتمادها عملتها على نطاق عالمي كبديل للدولار، حسب تقرير ناشونال إنترست.
هل تنجح مجموعة بريكس في خطتها لمنافسة الدولار ، وهل هناك دول اخرى ستنضم الى هذه المجموعة هذه الاسئلة طرحتها "مجلة 24 " على رئيس دائرة الابحاث والتحليل الاقتصادي الدكتور نسيب غبريل
الذي استهل حديثه بالقول "أولا بالنسبة لموضوع إطلاق عملة جديدة مقابل هيمنة الدولار، أعتبر أنها نغمة قديمة وليست من المواضيع المستجدة ، نحن نعلم أن تأسيس عملة الإتحاد الأوروبي، أي اليورو، كان هدفها لهذا الموضوع بالذات، أي لخفض أو تخفيف أو إيقاف هيمنة الدولار الأميركي في الأسواق العالمية والإقتصاد العالمي والعمليات التجارية.. وعلى الرغم من ذلك، لم يصل اليورو الى هذا الهدف ،من ناحية ثانية تراجع نسبة الدولار الأميركي من إحتياطات المصارف المركزية حول العالم بالعملات الاجنبية، كما التوترات الجيوسياسية، أدّتا الى تكهنات بأن سيطرة الدولار على الأسواق المالية حول العالم والتجارة العالمية الى تراجع ، من ناحية اخرى فإن نسبة قليلة، ولكنها مستمرة بالزيادة ، هي حصة العملة الصينية والدولار الأسترالي كما الكندي، في احتياطات المصارف المركزية حول العالم بالعملات الأجنبية، خفضت نسبة الدولار الأميركي من هذا الإحتياط من 71 % أواخر عام 2000 الى 58% أواخر 2022. ما يفسّر أن نظاماً نقدياً متعدد الأطراف ممكن أن ينشأ على المدى الطويل، لكن الدولار الأميركي سيبقى مسيطراُ على التعاملات المالية والنظام التجاري العالمي والاسواق المالية بسبب تواجد سيولة من الدولار الأميركي واستقرار سعر صرف العملة وكلفة التعاملات بالدولار المنخفضة وايضا هناك سبب آخر هو صعوبة العملات التي تحاول منافسة الدولار الأميركي من أن تتمتع بالمواصفات نفسها التي يتمتّع فيها الدولار الأميركي من سيولة كافية وتعاملات منخفضة الكلفة واستقرار.
*ما هي المواصفات الأخرى للدولار الأميركي؟
- اولاً : نظام الإقتصاد والنظام المالي الأميركي منفتحان بشكل كافي لاستقبال المدخرات الفائضة حول العالم.
ثانياً : سوق السندات الأميركي آمن ومتطوّر ومزوّد بالسيولة.
ثالثا : تداول الدولار الأميركي وصرفه مقابل عملات أخرى عملية مضمونة. أما اليورو مثلا، فلا توجد لديه سياسة مالية موحّدة. والمخاطر في عدم الإستقرار المالي في المنطقة يحدّ من نسبة اليورو في احتياطات العملات الأجنبية في المصارف المركزية العالمية.
رابعاً : بالنسبة للعملة الصينية، هناك الضوابط على التحاويل Capital control في الصين، إذ أن العملة الصينية ليست بالعملة التي تستبدل بالعملات العالمية كالدولار واليورو أو الجنيه الإنكليزي، مما يحدّ من ارتفاع نسبة العملة الصينية في احتياطات المصارف المركزية حول العالم بالعملات الأجنبية.
وختم غبريل : اليوم مجموعة بريكس Brics أو غيرها يستطيعون المحاولة بطرح عملات جديدة، لكن العوائق موجودة ولن يكون هناك منافس مباشر ليأخذ حصّة كبيرة من سوق الدولار الأميركي من النظام التجاري والمالي العالمي ، اعتقد أنهم سيحاولون وغيرهم سيحاول أكثر من بلد و مصدر، ولكن هناك أسس وعناصر بنيوية تدعم استمرار طغيان الدولار الأميركي على النظام المالي العالمي وهناك عوائق بنيوية تمنع المنافسة المباشرة لأي عملة جديدة مثل العملات التي تتبناها مجموعة بريكس مثلا.