لا يزال الاقتصاد اللبناني في حالة تراجع حاد، وهو بعيد كل البعد عن مسار الاستقرار، ناهيك عن مسار التعافي. وقد أدى فشل النظام المصرفي في لبنان وانهيار العملة إلى تنامي ودولرة اقتصاد نقدي يُقدر بنحو نصف إجمالي الناتج المحلي في عام 2022. ولا تزال صناعة السياسات بوضعها الراهن تتسم بقرارات مجزأة وغير مناسبة لإدارة الأزمة ، مما يؤدي إلى استنزاف رأس المال بجميع أوجهه، لا سيما البشري والاجتماعي، ويفسح المجال أمام تعميق عدم المساواة الاجتماعية، بحيث يبرز عدد قليل فقط من الفائزين وغالبية من الخاسرين.
فقد تباطأت وتيرة التراجع الاقتصادي في لبنان في عام 2022، فيما لم يطرأ أي تغيير جوهري على مسار التراجع بشكل عام. وتشير التقديرات إلى انخفاض إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 2.6% في عام 2022، ليصل إجمالي الانكماش الاقتصادي منذ عام 2018 إلى 39.9% من إجمالي الناتج المحلي. وعلى الرغم من التحسن الطفيف في نشاط القطاع الخاص، لا يزال العجز المتزايد في الحساب الجاري، والذي يشكل خللاً بنيوياً قديماً، يؤثر على آفاق النمو. وعلى خلفية ارتفاع الواردات وانخفاض الصادرات، ارتفع عجز الحساب الجاري، الذي لا يزال يتم تمويل الجزء الأكبر منه من إجمالي احتياطي النقد الأجنبي القابل للاستخدام لدى مصرف لبنان، إلى 20.6% من إجمالي الناتج المحلي (على غرار مستويات ما قبل الأزمة). واستمر تدهور الليرة اللبنانية بشدة على الرغم من تدخلات مصرف لبنان لمحاولة تثبيت سعر الصرف في السوق الموازية. وقد خسرت العملة أكثر من 98% من قيمتها قبل الأزمة بحلول فبراير/شباط 2023، وتسارع انهيارها في الآونة الأخيرة. كما بلغ معدل التضخم 171.2% في عام 2022، وهو من أعلى المعدلات على مستوى العالم، كما ان الشلل على الصعيد السياسي لم يعرقل تنفيذ قرارات خاصة بإدارة الأزمة تخدم قاعدة النخبة الضيقة. وتؤدي هذه التدخلات المجزأة إلى تحويل العبء الناجم عن التعديل الاقتصادي إلى الشرائح السكانية الأكثر احتياجاً.
ماهي المخاطر التي تهدد قطاع الاعمال في لبنان في ظل الشلل السياسي وعدم قدرة حكومة تصريف الاعمال في اتخاذ القرارات المطلوبة لوقف الانهيار بسبب الانقسام الحاصل في صفوفها ، هذه الاسئلة طرحتها "مجلة 24 " على رئيس نقابة المقاولين والبناء المهندس مارون الحلو في هذا الحوار :
الفراغ
*ما هي الأضرار التي لحقت بالاقتصاد الوطني جراء الفراغ الرئاسي في ظل حكومة تصريف الأعمال
- لا شك أن حكومة تصريف الأعمال ليست قادرة على ممارسة مسؤوليتها بتصريف الأعمال، بسبب محدودية الصلاحيات التي تسمح لها بالعمل من خلال منهجية مستدامة وقرار صلب ومتماسك بالإضافة الى تمنع فريق سياسي فيها عن المشاركة في إجتماعاتها، الأمر الذي جعلها مبتورة وتفتقر الى التضامن بين أعضائها فظل عملها ضمن حدود ضيقة لتأمين تصريف الأعمال في القضايا الضرورية والملحة لإستمرار المرافق العامة.
لهذا، فإن الإقتصاد المتضرر أساساً منذ سنوات بفعل التجاذبات أو النكد السياسي بين المسؤولين، لم يحتاج الى حكومة تصريف أعمال كي تضيف له المزيد من الأضرار. بالإضافة الى ذلك، فإن الفراغ في موقع رئاسة الجمهورية زاد تأثيره السلبي على الوضع المالي والنقدي خصوصاً في الفترة الأخيرة من العهد السابق، الأمر الذي جعل الوضع الإقتصادي العام يسير نحو الإنحدار السريع، فضلاً عن زيادة معاناة المؤسسات العامة، ولاسيما ما يحصل في الدوائر العقارية التي مضى على توقفها عن العمل أكثر من ستة أشهر وتحديداً في محافظة جبل لبنان التي تضمّ مناطق بعبدا، الشوف، عاليه، كسروان، جبيل والبترون، التي كانت ترفد خزينة الدولة وتعطي نفساً على الأقل للموظفين بتحسين رواتبهم، كذلك الأمر في مصلحة" النافعة" حيث لم تتمكن الحكومة ووزارة الداخلية من معالجة مشاكلها وإعادة الأمور الى طبيعتها. وهذا الشلل المُسجل في هاتين المؤسستين يجعلنا نفهم ونلمس مدى الإنهيار الحاصل في إنتاجية المؤسسات العامة.
وهذا الواقع على سوداويته لا يلغي ضرورة الإشارة الى وجود بعض النشاط الإنمائي المحدود من خلال طرح بعض المشاريع ذات الحاجة الملحة للبنان والممولة من المؤسسات الدولية كالبنك الدولي واليونيسيف، لكنها لا تعطي حركة للإقتصاد الوطني.
الموازنة
*بعدما تسربت ملامح الموازنة الجديدة للحكومة وما تضمنتها من ضرائب ما الانعكاسات على القطاع الخاص وعلى المواطن.
- إن موازنة 2023، لا ترسم الرؤية الإقتصادية والمالية والإجتماعية للحكومة وكيفية ضبط الإنفاق وتحديد المداخيل التي يمكن ضخها في شرايين الاقتصاد، لهذا أعتبرها موازنة صورية، لأنها تسعى الى مضاعفة الرسوم والضرائب أكثر من 30%، فيما العجز المُقدر فيها يبلغ 34 الف مليار ليرة بعد احتساب النفقات التي تبلغ 182 الف مليار مقابل إيرادات بقيمة 147 الف مليار أي بزيادة 141 الف مليار عن موازنة 2022 .
هذه الأرقام تجعلها موازنة صورية لأنه من الصعب تطبيقها في ظل عدم إستقرار سعر الصرف، واقفال الدوائر العقارية والنافعة، الأمر الذي يطرح مدى إمكانية وزارة المال على جباية الضرائب والرسوم وحتى الإدارات المعنية لا يمكنها إستيفاء رسومها مع توقف الموظفين عن العمل، حيث لا تتعدى إنتاجية القطاع العام الـ 20 في المئة، ما يؤكد أن الموازنة الجديدة التي من الضروري إقرارها لن يكون لها أية ترجمة إيجابية على الدورة الإقتصادية.
كما أن التوجه الى مضاعفة الرسوم والضرائب يشكل خطأ كبيراً، في ظل وضع غير مستقر وإنتاجية غير مستدامة، مع الإشارة هنا الى الرسوم "الجمركية هي المصدر الأبرز لتأمين موارد للخزينة اليوم من أجل دفع رواتب العاملين في القطاع العام.
لهذا فإن إثقال كاهل القطاع الخاص واللبنانيين بمضاعفة الرسوم والضرائب عليهم ليست حلاً، فيما المطلوب السعي لزيادة الإنتاجية، ما يسمح لاحقاً برفع هذه الضرائب بشكل طبيعي وتصاعدي. أما إبقاء إنتاجية القطاع العام مشلولة والضغط على القطاع الخاص الذي يسعى بشق النفس لتأمين إستمراريته لرفد الخزينة بالموارد فهذا ظلم وكأنهم يدفعون القطاع الخاص الذي يغرد بكفاءته وطاقاته واستثماراته الى التفتيش عن خيارات خارجية للعمل. مع الإشارة الى عدم وجود عدالة بين دافعي الضرائب والرسوم حيث هناك فئة تلتزم بواجباتها وأخرى كأنها معفاة منها.
في أي حال فإن مناقشة هذه الموازنة في المجلس النيابي سيبرز الكثير من الثغرات فيها وأبرزها عدم إمكانية الجباية للرسوم والضرائب في ظل إقتصاد مشلول ومنهار.
اضرار قطاع المقاولين
*ما هي الأضرار التي لحقت بقطاع المقاولات والبناء جراء الوضع السياسي الضبابي.
- لقد سجل قطاع المقاولات في الفترة الأخيرة نوعاً من الحركة بفضل بعض المشاريع الممولة من الصناديق العربية والمؤسسات الدولية، وقيام الحكومة اللبنانية في الأشهر الماضية بتسديد القسم المستحق عليها. أما الوضع في القطاع الخاص فخجول جداً بسبب غياب المشاريع الكبيرة وإحجام المستثمر عن توظيف أمواله لعدم توفر الاستقرار السياسي، مضافاً إليه الأزمة النقدية والمالية والمصرفية وارتفاع كلفة مواد البناء، الأمر الذي يفقد المستثمر القدرة على تحديد مصير إستثماره، كما أن المطورين العقاريين لا يجرؤون اليوم على طرح أي مشروع في هذه الظروف طالما أن موعد إنتهاء شغور الموقع الرئاسي غير محدد، وكذلك بدء تطبيق الإصلاحات المطلوبة من المؤسسات الدولية، بما يعيد ثقة المستثمرين والناس بالدولة.
في أي حال، فإن الأضرار التي لحقت بقطاع المقاولات في هذه الأزمة هي الأكبر، لهذا فإن قطاع المقاولات والتطوير العقاري في أي أزمة هو أول قطاع تتوقف فيه الحركة وآخر القطاعات التي يستعيد نشاطه متى إنتهت، لحاجته الى إستثمارات كبيرة ومصارف لتأمين السيولة وثقة بالبلد وتحسن القدرة الشرائية للناس..
شفور حاكمية مصرف لبنان
*هل هناك تخوف من شغور منصب حاكم مصرف لبنان على الوضع النقدي.
- في ظل المستجدات الدائمة على الصعيد المالي والنقدي، لا يمكن توقع ما سيحصل في المرحلة المقبلة، مع العلم ان المعالجات التي كانت تحصل على الرغم من فداحة الخسائر التي تحملها اللبنانيون بشكل عام والمودعون في المصارف بشكل خاص، لم تأتِ بالنتائج المرجوة وظلت المعاناة في حركة متزايدة. لهذا أرى أن الفراغ في السلطة النقدية إذا حصل، سيوجب على نواب الحاكم الإستمرار فيتحمل المسؤولية والعمل بنفس نهج العمل المُتَبع من قبل الحاكم الذي ستنهي ولايته في الأيام المقبلة، لأن الإتصالات الحاصلة مع رئيس الحكومة تركزت على موافقة الحكومة على منهجية عمل جديدة في المصرف المركزي.
إن مشهد الوضع المالي والنقدي يزداد ضبابية ولا يمكن تصور أفق جديد له،لأن النقد في لبنان مرتبط بإرادة دولية تتدخل في كل القضايا التي يواجهها، لهذا، فإن أي تغيير في المصرف المركزي سيبقى مضبوطاً تحت مظلة الرقابة الدولية كالوضع السياسي، لأن التطور السلبي للوضع المالي جاء نتيجة إستعماله لأهداف سياسية واضحة، لهذا قد لا يتم التمديد للحاكم بل يقوم نوابه بمتابعة الوضع.
منصة صيرفة
* في حال إلغاء منصة صيرفة الا تعتقد أن سعر الصرف سيتدهور.
- برأيي أن منصة صيرفة ثبتت نوعاً ما سعر صرف الدولار وساهمت في وقف تدهور النقد الوطني، وأي توجه جديد لإطلاق منصة جديدة نأمل أن تستمر في حماية العملة الوطنية، وتكون خطة عمل نواب الحاكم مدروسة كي لا يأخذوننا معهم الى مغامرة جديدة تدخلنا في وضع صعب. لهذا ننتظر منهم إتخاذ قرارات مالية حكيمة وواعية توقف الانهيار الحاصل.