تخطي إلى المحتوى
دراسات وتقارير

لبنان ومحاربة الجريمة المالية: بين اختبار المصداقية وضغط العزلة المالية

لبنان ومحاربة الجريمة المالية:  بين اختبار المصداقية وضغط العزلة المالية

بعد أن تسارعت مفاوضات السلام بين لبنان وإسرائيل بدعم وإشراف من الرئيس الأميركي دونالد ترامب بات من المؤكد أن يتم فتح الملفات المالية ومعالجتها ومن أهم هذه الملفات هو اخراج لبنان عن اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي وإخراجه أيضا عن لائحة البلدان العالية المخاطر في السوق الأوروبية ، خصوصا أن لبنان أقر وطبق العديد من مطالب مجموعة العمل المالي ، لكن اندلاع حرب الاسناد اخر اتمام بقية المطالب .

كيف سيتحرك هذا الملف "مجلة 24 "سالت الباحث في كلية سليمان العليان لادارة الأعمال في الجامعة الاميركية في بيروت والخبير في المخاطر المصرفية الدكتور محمد فحيلي عن الخطوات الواجب اتخاذها حتى يستطيع لبنان الخروج ، فحيلي بادرنا بالقول "حين وُضع لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي في تشرين الأول 2024، كان الخطاب الرسمي مطمئناً، تقنياً، إجرائياً. قيل إن المسألة مسألة ثغرات يمكن معالجتها، وخطة عمل يمكن تنفيذها، وتوصيات يمكن استكمالها. لكن القراءة البنيوية لهذا التطور تكشف شيئاً أعمق بكثير من خلل إداري. الرمادية ليست توصيفاً تقنياً بقدر ما هي اختبار مصداقية. والسوداء ليست تصنيفاً عقابياً بقدر ما هي حكم ثقة. الفارق بينهما ليس في عدد القوانين الصادرة، بل في ثقافة التنفيذ. وهنا تكمن المعضلة اللبنانية. الدولة اللبنانية لم تعجز يوماً عن إصدار القوانين أو صياغة التعاميم. لكنها أظهرت، مراراً، عجزاً أو تردداً أو انتقائية في تطبيقها. في هذا السياق، تصبح المشكلة بنيوية: ليست نقصاً في النصوص، بل ضعفاً في الإرادة التنفيذية واستقلالية المؤسسات.

الدولة العميقة، بشبكات الحماية السياسية، والتقاطعات بين النفوذ المالي والقرار السياسي، والاقتصاد الموازي المتضخم، لا تتبدل بتغيير حكومة أو تعديل بيان وزاري. إنها بنية قادرة على امتصاص الإصلاح وتحويله إلى خطاب. وإذا بقيت هذه البنية أقوى من الدولة الرسمية، فإن المسار من الرمادي إلى الأسود يصبح مساراً تراكمياً، لا حدثاً مفاجئاً.

الفارق بين الرمادي والأسود: من المراقبة إلى العزل

اللائحة الرمادية تعني أن هناك نواقص استراتيجية في أنظمة مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، لكنها تفترض وجود قدرة سياسية ومؤسساتية على المعالجة. أما اللائحة السوداء فتعني أن المجتمع المالي الدولي لم يعد يثق بقدرة الدولة على الإصلاح، أو بإرادتها في ذلك. الانتقال إلى السوداء لا يعني فقط تشدداً إضافياً في التدقيق، بل يعني عملياً تضييقاً حاداً في العلاقات المصرفية المراسلة، ارتفاعاً كبيراً في كلفة الامتثال، صعوبة في تمويل التجارة، وتآكلاً سريعاً في ثقة المستثمرين والمؤسسات متعددة الأطراف. لبنان، بوصفه اقتصاداً صغيراً، دولارياً، معتمداً على الاستيراد والتحويلات، لا يملك هامش المناورة الذي تملكه اقتصادات أكبر أو أقل اندماجاً في النظام المالي العالمي. العزل المالي بالنسبة له ليس ضغطاً معنوياً، بل صدمة انكماشية. والمشكلة أن بعض مظاهر هذا العزل بدأت فعلياً، قبل أي تصنيف أسود رسمي، عبر تسارع سياسات "تفادي المخاطر" (De-Risking) لدى المصارف الأجنبية، وتشدد الرقابة على التحويلات، وارتفاع كلفة التعامل مع الأطراف اللبنانية.

المتغير الحاسم: السلوك السياسي لا النصوص القانونية

التجربة اللبنانية منذ 2019 تثبت أن النصوص لا تكفي. القوانين المتعلقة بالسرية المصرفية عُدّلت، وتعليمات "اعرف عميلك" شُددت، ومتطلبات الإبلاغ عن العمليات المشبوهة وُضعت. لكن التقييم الدولي لا يقيس وجود النص، بل فعالية التطبيق.

· هل خضع أصحاب النفوذ السياسي لتحقيقات جدية؟

· هل تحرك القضاء في ملفات مالية كبرى دون خطوط حمراء؟

· هل نُفذت تجميدات أصول بسرعة وشفافية؟

· هل نُشرت إحصاءات تنفيذية قابلة للتحقق؟

حين تصبح الإجابة على هذه الأسئلة ملتبسة أو انتقائية، تتحول الرمادية إلى رسالة إنذار، والسوداء إلى احتمال متصاعد. لبنان لا يعاني من فراغ تشريعي، بل من ثقافة تنفيذ انتقائية. والانتقائية في نظر النظام المالي العالمي تعادل هشاشة هيكلية

اقتصاد نقدي متضخم: بيئة مثالية للمخاطر

منذ الانهيار المالي، شهد لبنان تسارعًا حادًا في "النقدنة –Cashization " الدولار النقدي بات وسيلة الدفع الأساسية. التعاملات خارج القطاع المصرفي توسعت. شبكات التحويل غير الرسمية أصبحت جزءاً من الحياة اليومية.

هذا التحول، الذي بدأ كآلية بقاء، أصبح نظاماً موازياً. لكن من منظور مكافحة تبييض الأموال، الاقتصاد النقدي الواسع يعني انخفاض قابلية التتبع، وضعف تدفق التقارير عن العمليات المشبوهة، وتآكل قدرة وحدات الاستخبارات المالية على رسم خرائط المخاطر. إذا أضيف إلى ذلك ضغط عقوبات خارجية متصاعد، كما في سياق "الضغط الأقصى" المالي على شبكات مرتبطة بحزب الله، يصبح المشهد أكثر تعقيداً. العقوبات لا تفترض أن هذه الشبكات تعتمد على النظام المصرفي الرسمي بقدر ما تستهدف "طبقة التحويل"؛ أي آليات تحويل القيمة المخزنة (ذهب، سلع، تجارة عابرة للحدود) إلى سيولة تشغيلية. الضغط هنا لا يلغي التمويل، بل يرفع كلفته ويبطئ سرعته ويزيد مخاطره. لكن إذا لم تترافق هذه الضغوط مع استعادة الدولة اللبنانية لقدرتها على ضبط النظام المالي ككل، فقد ينتج عنها تعميق للاقتصاد الموازي بدل تقليصه.

البعد الأوروبي والطبقات المتراكمة من المخاطر

لبنان مُصنّف أصلًا كدولة عالية المخاطر من قبل الاتحاد الأوروبي في إطار أنظمة مكافحة تبييض الأموال. هذا يعني أن المؤسسات المالية الأوروبية ملزمة بتطبيق تدقيق معزز على العمليات المرتبطة بلبنان. إذا ترافق هذا التصنيف الأوروبي مع تصعيد من مجموعة العمل المالي، فإن الضغط لن يكون أحادياً، بل متعدد الطبقات: مراقبة عالمية، وتشدد أوروبي، وتسارع سياسات خفض المخاطر وتفاديها (De-Risking). في هذه الحالة، لا تعود المسألة متعلقة بسمعة، بل بهامش عمل ضيق جداً للمصارف والمؤسسات اللبنانية. تمويل التجارة قد يتشدد. الاعتمادات المستندية قد تصبح أصعب وأغلى. التحويلات قد تواجه تأخيرات متكررة. في اقتصاد يعتمد على الخارج لاستيراد الأساسيات، هذا يعني ضغطاً مباشراً على الأسعار والسيولة.

البعد النقدي وصندوق النقد الدولي: من أداة تعافٍ إلى آلية احتواء

في السياق اللبناني، لا يمكن فصل البعد النقدي عن مسار الامتثال لمعايير مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. صندوق النقد الدولي لا يتعامل مع هذه الملفات بوصفها قضايا تقنية جانبية، بل بوصفها جزءاً من تقييمه لمتانة الحوكمة المؤسسية وقدرة الدولة على تنفيذ الإصلاحات. أي برنامج تمويلي مع الصندوق لا يُنظر إليه فقط كجسر سيولة يضخّ دولارات في احتياطي مصرف لبنان، بل كإطار لإعادة بناء الثقة. الثقة هنا ليست مالية فقط، بل تنظيمية وقضائية ومؤسساتية. وعندما تُسجَّل إشارات ضعف في الامتثال أو انتقائية في التنفيذ، فإن البرنامج يتغير في طبيعته. في الحالة الطبيعية، يشكّل برنامج صندوق النقد منصة تعافٍ: يوفّر تمويلاً مرحلياً، ويؤمّن مظلة ثقة تسمح بتدفق تمويل إضافي من البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والجهات المانحة، ويخفض علاوات المخاطر السيادية، ويعيد إدماج البلد تدريجياً في النظام المالي العالمي. لكن في بيئة عالية المخاطر، وخصوصاً إذا انتقلت الدولة من اللائحة الرمادية إلى السوداء، يتبدّل الدور.

أولاً: من تمويل التعافي إلى تمويل الاحتواء. إذا تآكلت مصداقية لبنان في مجال الامتثال، فإن أي برنامج مع صندوق النقد سيتحوّل من آلية دعم للنمو والاستقرار إلى آلية احتواء للمخاطر. بمعنى آخر، لن يكون الهدف الأساسي إعادة إطلاق الاقتصاد، بل منع الانهيار غير المنضبط؛ عندها:

· تصبح الشروط أكثر تفصيلاً وتدخلاً في البنية الإدارية والرقابية؛

· تتوسع متطلبات الشفافية والإفصاح؛

· تُشدد آليات التحقق المسبق قبل كل دفعة تمويل؛

· يُربط كل تقدم مالي بمؤشرات تنفيذ دقيقة في مجالات القضاء، وحدة الإخبار المالي، والرقابة المصرفية.

البرنامج لا يُلغى، لكنه يفقد طابعه التحفيزي ويتحول إلى برنامج احتواء عالي المخاطر (High-Risk Containment Framework).

ثانياً: تشدد في السياسة النقدية والإشراف المالي. صندوق النقد، في بيئة تصنيف مرتفع المخاطر، يميل إلى الدفع باتجاه:

· تعزيز استقلالية المصرف المركزي؛

· إعادة هيكلة عميقة للقطاع المصرفي؛

· تشديد معايير الإشراف والامتثال؛

· ضبط صارم للسيولة والنقد المتداول خارج النظام المصرفي.

هذا يعني أن السياسة النقدية لن تُصاغ فقط وفق اعتبارات التضخم أو النمو، بل وفق اعتبارات إدارة المخاطر الدولية. أي انحراف قد يُفسَّر كإشارة هشاشة إضافية.

وفي اقتصاد "مُدولَر" جزئياً ومُـنَقْدَن (Cash-Based) بدرجة عالية، يصبح هامش المناورة النقدية ضيقاً جداً. أي برنامج سيُصمم ليقلّص المخاطر لا ليحفّز الطلب.

ثالثاً: أثر التصنيف على تعبئة التمويل الموازي. قدرة صندوق النقد على حشد تمويل مكمّل من البنك الدولي أو الجهات المانحة ليست تقنية بحتة؛ هي سياسية ومرتبطة بصورة البلد في النظام المالي العالمي. في حال تصعيد التصنيف إلى اللائحة السوداء:

· تمويل البنك الدولي يصبح أكثر تقييداً؛

· القروض الميسرة تترافق مع طبقات إضافية من الرقابة؛

· الضمانات السيادية تُخضع لتقييم مخاطر أعلى؛

· الجهات المانحة تطلب آليات رقابة خارجية أو إدارة مشتركة لبعض المشاريع.

السوداء لا تعني استحالة التمويل، لكنها تعني أن كل دولار يصبح مشروطاً بسلسلة ضمانات، وكل دفعة تصبح خاضعة لتدقيق مضاعف، وكل مشروع يُصمم بآلية حوكمة استثنائية. بعبارة أخرى، يتحول التمويل من أداة تمكين اقتصادي إلى أداة رقابة مشددة.

رابعاً: علاوة المخاطر السيادية والتأثير النقدي غير المباشر. أي تصعيد في التصنيف ينعكس فوراً على علاوة المخاطر السيادية. حتى لو لم تصدر سندات جديدة، فإن:

· كلفة إعادة هيكلة الدين ترتفع؛

· تقييم الأصول اللبنانية ينخفض؛

· احتمالات جذب استثمارات مباشرة تتراجع؛

· التحويلات المالية تواجه تدقيقاً إضافياً.

هذا يضغط على ميزان المدفوعات، ويضعف قدرة مصرف لبنان على تثبيت الاستقرار النسبي في سوق الصرف. عندها يصبح برنامج صندوق النقد أداة لطمأنة الأسواق بأن الانهيار تحت السيطرة، لا بأن النمو في الأفق.

خامساً: البعد السياسي للبرنامج. كلما ارتفعت المخاطر، ازدادت حساسية البرنامج للعوامل السياسية. في بيئة تُصنف عالية المخاطر من حيث مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، يصبح أي تمويل خاضعاً أيضاً لاعتبارات جيوسياسية. وهنا يتحول البرنامج إلى ملف سياسي بامتياز. لا يعود مجرد اتفاق تقني بين خبراء ماليين، بل يصبح جزءاً من معادلة إقليمية ودولية أوسع.

التحول المفاهيمي: هل الصندوق جسر أم صمام أمان؟

الفرق بين "منصة تعافٍ" و"آلية احتواء" هو في مستوى الثقة. إذا استطاع لبنان أن يُظهر قطيعة فعلية مع ثقافة الانتقائية في التنفيذ، وأن يثبت جدية قضائية وتنظيمية قابلة للقياس، فإن برنامج صندوق النقد يمكن أن يستعيد طابعه التحفيزي، ويُستخدم كرافعة لإعادة إدماج البلد في النظام المالي العالمي. أما إذا استمر التعامل مع الامتثال كملف إداري شكلي، فإن البرنامج، إن وُجد، سيُصمم ليمنع الانفجار، لا ليطلق التعافي. في الحالة الأولى، يكون الصندوق شريك إعادة بناء. في الحالة الثانية، يكون صمام أمان لإدارة المخاطر الدولية.

لبنان لا يواجه مجرد مفاوضات مالية مع صندوق النقد. هو يواجه اختباراً لمدى قابليته للتصديق. التصنيف الرمادي رسالة إنذار، السوداء حكم ثقة، والبرنامج مع الصندوق يتكيّف مع هذا المسار. المسألة ليست كمية الدولارات التي قد تُضخ، بل طبيعة العلاقة التي ستُبنى: هل هي علاقة دعم تعافٍ؟ أم علاقة احتواء حذر لدولة عالية المخاطر؟ الجواب لا تحدده النصوص القانونية، بل نمط التنفيذ الفعلي.

الضغط الأقصى واللحظة اللبنانية

الضغوط المالية على شبكات حزب الله تمثل اختباراً مزدوجًا. فهي من جهة ترفع كلفة التشغيل على هذه الشبكات، ومن جهة أخرى تضع الدولة اللبنانية أمام خيار: هل تستخدم نافذة الضغط لإعادة ضبط النظام المالي وترسيخ سيادة تنظيمية، أم تكتفي بإدارة الامتثال كأزمة متقطعة؟

العقوبات بحد ذاتها ليست حلاً جذرياً. إنها مضاعف ضغط. تأثيرها النهائي يتحدد بقدرة الدولة على ملء الفراغ الذي يخلقه الضغط، عبر خدمات عامة أكثر موثوقية، وقضاء أسرع، وتنفيذ متناسق، واستعادة تدريجية للثقة بالقطاع المنظم. إذا بقي التنفيذ انتقائياً، فإن الضغوط قد تؤدي إلى مزيد من الـ "لا مأسسة". أما إذا أصبحت متوازنة وشفافة، فقد تتحول إلى رافعة لاستعادة الحد الأدنى من الحوكمة المالية.

تحذير أم حكم؟

الانتقال من الرمادي إلى الأسود لا يحدث بقرار فجائي، بل بتآكل تدريجي في الثقة. تتراكم التأخيرات، وتضعف الإشارات، ويضيق هامش الصبر الدولي، ثم يتغير التصنيف. لبنان لا يقف أمام مسألة تقنية، بل أمام مفترق سياسي – مؤسساتي. هل يُعامل التصنيف الرمادي كإحراج يجب امتصاصه، أم كإنذار بنيوي يتطلب قطيعة مع ثقافة الانتقائية؟ إذا استمر استبدال التنفيذ بالخطاب، والملاحقة بالتصريحات، والإصلاح بالإدارة السياسية للأزمة، فإن الاصطدام لن يكون تفاوضياً. سيكون نقدياً، مصرفياً، وفورياً. ما إذا تحققت قطيعة فعلية مع الانتقائية، وأُعيد بناء مصداقية التنفيذ، فلا يزال المسار قابلاً للتعديل. الفارق بين التحذير والحكم ليس في عدد القوانين التي تُقر، بل في عدد القضايا التي تُنفذ، وفي سرعة التنفيذ، وفي شمولية التطبيق. لبنان لا يُطلب منه أن يكون مثالاً مثالياً. يُطلب منه فقط أن يكون قابلاً للتصديق.