منذ اواخر العام 2019 يشهد لبنان انهيارا اقتصاديا متسارعا، وصل إلى حد فقدان العملة المحلية قيمتها أمام الدولار، وتفاقم الفقر حتى طال 82 بالمئة من السكان، في وقت فرضت المصارف إجراءات حالت دون تمكن المودعين من سحب أموالهم نتيجة شح السيولة، حيث تم تحديد سقف للسحوبات المالية لاسيما بالدولار
بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على نشوب أسوأ أزمة اقتصادية ومالية في تاريخ لبنان، لا يزال الخلاف بين الأطراف المعنية الرئيسية حول كيفية توزيع الخسائر المالية ، وسبق أن صنف البنك الدولي أزمة لبنان بأنها واحدة من أشد ثلاث أزمات في العالم منذ خمسينيات القرن التاسع عشر، وباتت تعرض الاستقرار والسلم الاجتماعي في البلاد للخطر على المدى الطويل.
وتشكل إعادة هيكلة القطاع المصرفي الذي يضم ما يزيد عن الستين مصرفا، الذي يدعو إليها البنك الدولي، أحد أبرز مطالب صندوق النقد الدولي لمساعدة للبنان بقيمة ثلاثة مليارات دولار على مدى أربع سنوات، وهي تعني تصحيح وضع هذا القطاع من خلال إعادة تنظيم المصارف ماليا وإداريا، سواء من خلال تقوية رأسمالها باسترداد ما لها من ديون، وحتى دفع الديون التي عليها، وإجراء تغييرات إدارية وغيرها من الأمور."
ان عدم إقدام المصارف على هذه الخطوة رغم مرور ثلاثة سنوات على الأزمة، سببه "العجز الذي تعاني منه، بسبب إدارات مصرفية حلمت أن الأمور ستستمر على ذات النحو من دون أن يحصل ذلك، كما أن المصارف تنتظر اقرار قانون القطاع المصرفي الذي يجري الحديث عنه، لذلك ان إعادة هيكلة المصارف في المدى المنظورمستبعدة قبل إقرار هذا القانون، لكن السؤال كيف ستتم عملية اعادة الهيكلة ومن هي الجهة الصالحة للقيام بهذه العملية ، وهل صحيح ان هناك نية لمنح لجنة الرقابة على المصارف الاستقلالية الشاملة في المرحلة المقبلة .
"مجلة 24 " التقت النائب السابق لحاكم مصرف لبنان الدكتور محمد البعاصيري ، وهو مصرفي مخضرم وشغل اكثر من منصب قيادي في هذا القطاع محلياً واقليما ً ودولياً وطرحت عليه كل الاسئلة المحيطة بعملية اعادة هيكلة المصارف .
استهل الدكتور البعاصيري حديثه بالقول "هناك مشروع قانون في هذا الشأن ارسلته الحكومة الى المجلس النيابي ولا يزال ينتظر المناقشة والاقرار، مسودة القانون تجعل من الهيئة المصرفية العليا لدى مصرف لبنان المرجع الاساس لاعادة الهيكلية المصرفية كما تأخذ هذه المسودة بملاحظات صندوق النقد الدولي ، ومع بعض الملاحظات على مشروع القانون غير ان هذا المشروع يمكن ان يشكل بداية جيدة للمناقشة ومن ثم الاقرار.
اضاف: لا اعلم لماذا تأخرت دراسة المشروع بعد تبنيه من قبل الحكومة لاشهر خلت ، الشئ المهم قبل اقرار قانون الهيكلة المصرفية هو ان يتم اقرار قانون اعادة التوازن المالي والذي يجب ان يتضمن قرارا سياسيا بالنسبة لمصير الودائع. ولا بد من الاشارة الى وجود مشروع عائد الى هذا الموضوع ولو ان هناك ضبابية بالنسبة الى ظروف تبنيه من قبل الحكومة او خلافه.
وتابع : الشئ المؤكد بان مثل تلك المشاريع والتي تعد من اهم الاصلاحات الضرورية لا يمكن المضي بها دون وجود الارادة السياسية والتي تتجسد اولا في انتخاب رئيس للجمهورية وبالتالي انتاج حكومة قادرة على المضي في الاصلاحات اللازمة.
وبالرغم من صعوبة الوضعين السياسي والاقتصادي والمتمثل في غياب رئيس للجمهورية، غير ان هناك مساحة ولو كانت محدودة الى حد ما تبقى متاحة لمصرف لبنان للتعامل الجزئي مع موضوع الهيكلة المصرفية كشطب بعض المصارف التي لا تملك مقومات الاستمرار بناء على دراسة لجنة الرقابة على المصارف،. ومع وجود مثل تلك المساحة المحدودة والمتاحة لمصرف لبنان الا ان هذا الامر ليس باليسير وهذا يتعلق بمصير الودائع المتوجبة على المصارف غير القابلة للحياة اوالاستمرار. ومن العدل القول بان الحاكم الجديد الدكتور وسيم منصوري يواجه وزملاؤه تحديات كبرى للتعامل مع ازمة كبرى على جميع الصعد من سياسية واقتصادية ونقدية واجتماعية وخلافها هذا بالاضافة الى الوضع المصرفي واعادة هيكلته. ومع الانطلاقة الجيدة للحاكم منصوري وخصوصا بالنسبة للسياسة المعلنة فيما يتعلق بموضوع عدم اقراض الدولة من اموال المودعين، يتوجب توافر الدعم السياسي وذلك عن طريق انتخاب رئيس جديد للجمهورية وبالتالي اقرار المشاريع الاصلاحية والمباشرة في تطبيقها.
من جهة اخرى يتابع البعاصيري "هناك نقاش قديم ومتجدد بالنسبة لجدوى الاستقلالية الكاملة للجنة الرقابة على المصارف بشكل كامل عن مصرف لبنان. وانا مع الرأي المطالب بضرورة الاستقلالية التامة للجنة عن مصرف لبنان بما فيها الاستقلالية المالية، الا ان هذا الامر يجب ان يفتح الباب واسعا لاعادة النظر في القوانين التي ترعى عمل مصرف لبنان والمصارف وخاصة قانون النقد والتسليف الذي تجاوز الستين عاما منذ صدوره من العام ١٩٦٣.اذ مع تطور الصنعة المصرفية واعمال المصارف المركزية منذ ذلك الوقت يستلزم النظر جديا في تعديل بعضا من مواد قانون النقد والتسليف كما استغرب عدم اعطاء هذا الموضوع الاهتمام الذي يستحق والذي يجعل هذا الامر من الاصلاحات اللازمة الذي يتوجب اقرارها. وكأي قانون يعمل به، لا بد من أخذ الدروس والعبر بالنسبة للثغرات التي يمكن ان تتبين عند الممارسة. الهدف من النظر باعادة دراسة هذا القانون وتعديل بعضا من مواده يجب ان يتوخى المزيد من الحوكمة والشفافية. على سبيل المثال وليس الحصر؛ كيف يمكن لاحد اعضاء لجنة الرقابة على المصارف ان يسمى من قبل جمعية المصارف وان يكون هو نفسه عضوا في الهيئة المصرفية العليا؟ المادة ٢٦ تعطي الحاكم اوسع الصلاحيات لادارة المصرف المركزي! اقترح في هذا المجال على المشرع اللبناني النظر جديا في هذا الموضوع وملحقاته.
اود في الختام القول بان الثقة تبقى الاساس في نهوض البلد من سباته وهذا يتوقف على الادارة السياسية للبلد وعزيمة الشعب اللبناني.