ازمة الكهرباء المزمنة في لبنان معضلة مركبة من مزيج من الفساد والهدر ومن المنافسة السياسية ومن الخلل الديموغرافي والفلتان الامني والجشع التجاري .
فالكهرباء عصب الحياة الاقتصادية والمرافق الخدماتية والصحية والاستشفائية ومصانع الأمصال، كما على مراكز اابيع والتوزيع التجارية. وانقطاعها يؤثر بشكل واسع وخطير على الحياة اليومية للمواطنين بدءاً من المطاحن وتأمين الرغيف بعد طحن القمح ، وعلى حفظ الأغذية لدى المنتج والموزع وفي المنازل. من دونها يتوقف ضخ المياه وتشغيل محطات التكرير والصرف الصحي وتتعطل شبكات الاتصال وحركة المطاروالمرافق العامة الاساسية .
فالفساد المستشري في قطاع الكهرباء يعتبر رمزاً لفشل الطبقة السياسية في ادارة شؤون البلاد الخدمية التي تمتد لتشمل قطاعات عديدة غيرها . لكن يبقى ابرزها قطاع الكهرباء الذي يسبب خسائر سنوية تقارب الملياري دولار اي ما يمثل قرابة ثلث العجز في الموازنة السنوية للحكومة .
وعلى الرغم من تعهد جميع الحكومات منذ سنة 2010 بما فيها حكومة حسان دياب التي كانت من لون واحد بأجراء اصلاحات في قطاع الكهرباء غير ان كل الحكومات اصطدمت بتبادل الاتهامات بين الاحزاب التي تتقاسم السلطة على اسس طائفية .
ومن بين المشاكل التي تواجه مؤسسة كهرباء لبنان تسجيلها عجزاً كبيراً في الانتاج فضلاً عن شبكة التوزيع الرئيسية التي تتسبب في هدر كبير وسرقة التيار الكهربائي والتلاعب بالعدادات ومشاكل التحصيل .ويقدر اقتصاديون ان الشعب اللبناني يدفع حوالي 1.5 مليار دولار سنوياً لاصحاب المولدات الخاصة الذين يقومون بتعويض انقطاع الكهرباء المتكرر في كل المناطق اللبنانية .
ورغم هذه الاوضاع الكارثية نرى ان معظم الوزراء الذين تسلموا حقيبة هذه الوزارة لاه لهم سوى مخالفة القوانين لتمرير الصفقات ورمي الاتهامات تحاه اي شخص يعارضهم ، حتى وصلت الوقاحة بالوزير الحالي الى اتهام رئيس الحكومة وحاكم مصرف لبنان بالانابة بعدم الافراج عن ثمن شحنة الفيول التي طلبها من دون الحصول على موافقة اللحنة الوزارية للكهرباء وان هذا التصرف يعرقل خطته لزيادة الانتاج . *ما رأيك في السجال بين رئيس الحكومة ووزير الطاقة حول باخرة الفيول .
في ظل هذه الاوضاع المتردية "مجلة 24 " حاورت المدير العام السابق للاستثمار في وزارة الطاقة والمياه الدكتورغسان بيضون الذي استقال من منصبه لانه كان يعارض اي مشروع او اجراء مخالفا للقانون وهو قال ولايزال يردد بأن الانطلاق في أيّة معالجة للأزمة ومشاكل القطاع يجب أن يبدأ بالخروج بتفكير الحكومة من صندوق الخطط، وتحريرها من أسرها وتحرير الوزارة من النهج الذي حكمها اعتباراً من العام 2009 وفشلت في تحقيق أيّ تقدّم".
بيضون استهل حديثه بالاجابة على سؤالنا عن رايه بالسجال الذي حصل بين رئيس الحكومة في حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي ووزير الطاقة وليد فياضحول باخرة الفيول فقال " أن الحق مع رئيس الحكومة لأن وزير الطاقة لم يلتزم بالأصول ولا بالعودة الى اللجنة الوزارية المهتمة بشؤون الكهرباء، اضافة الى طلبه باخرة فيول قبل أن يوفّر الإعتماد والمال اللازم للدفع، مما جعل الباخرة تقف لتسجّل غرامات على حساب لبنان. أما وزير الطاقة فوقف ليقول أن الوزارة قامت بالتوفير بالنسبة لارتفاع أسعار النفط العالمية.
وتابع: ما زال كل المسؤولين، وعلى الرغم من الأزمة التي تعصف بالبلاد، يسيرون على النهج نفسه بالنسبة لتعاطيهم بأمور البلاد من دون خجل أو حسيب ،نعم الحق مع رئيس الحكومة وأعتبر أن عهد دلع الدين من المصرف المركزي انتهى الى غير رجعة، وحتى التهديد بالعتمة الشاملة أصبح لعبة مكشوفة بما أن المخزون الكبير من النفط العراقي موجود كما هو معروف. إذا على الدولة تأمين الدولارات لتأمين حاجاتها.
*طالما ان هناك جدية لمتابعة التدقيق الجنائي في مصرف لبنان لماذا لا يتم التدقيق في وزارة الطاقة وغيرها من الوزارات كما قرر مجلس النواب .
- أعتبر أن موضوع التدقيق الجنائي في وزارة الطاقة هو أكثر من ضروري، إنما التدقيق الجنائي في مصرف لبنان لا يفيد في معرفة خلفيات المخالفات الجوهرية والكبيرة في هذا الموضوع التي حصلت في وزارة الطاقة وفي مؤسسة كهرباء لبنان التي استنزفت المالية العامة والخزينة وساهمت بشكل رئيسي بحصول الإنهيار والأزمة الإقتصادية. في مصرف لبنان لا نرى الا الأموال التي تخرج من المصرف لصالح الجهات المعنية، لذلك يجب التحقيق مع الجهتين لمعرفة المستندات والمعاملات والأسباب التي استدعت إخراج هذه الأموال والى اين ذهبت وهل هي قانونية وما هو دورها في الإنهيار. طبعا ستُبيّن أن مخالفات كبيرة ارتكبت وكانت مساهمة في الإنهيار، خصوصاً بين عام 2010 و 2020 حيث كان ثقل الإستدانة من المصرف المركزي لصالح الكهرباء من ناحية الفوائد المرتفعة وصعوبة الحصول عليها. الدولار الذي تمّ استدانته في عام 2000 غير دولار 2010 وغيرها من السنوات.
ماهو المطلوب
*برأيك ما هي الاجراءات الواجب اتخاذها لوضع قطاع الطاقة على طريق الحل .
- بالنسبة لحلّ أزمة كهرباء لبنان بالوضع الحالي، هناك إستحالة، وسيبقى الوضع بتأمين الحدّ الأدنى من الكهرباء للمواطن والمرافق الحياتية. نحن بحاجة اليوم الى إجراءات وتدابير تخفّف من حدّة الأزمة وعلى رأسها تسهيل تركيب طاقة شمسية لدى القادرين والراغبين بما أنه تمّ تخفيف أو إلغاء الرسوم الجمركية. نطلب من وزارة الطاقة أن تفرج عن الموافقات لتسهيل طلب المواطن. نحن اليوم في واقع مختلف بمختلف معطياته عن الظروف السابقة التي احتوت خطط ومطالبة بمعمل سلعاتا و200 مليار دولار وسلفة مليار ونص سنوياً. عهد الدلع إنتهى وسنفكر بطريقة مختلفة انطلاقاً من الواقع الحالي وإمكانياته من دون أيّ مساعدات خارجية كما كان معهوداً. المخرج الوحيد هو تعزيز مشاريع الطاقة الشمسية. حتى هذا المشروع وافق سابقاً رئيس الحكومة والحكومة عليه للوزير فيّاض في استدراج نوايا كان قد قام بها وزير الطاقة السابق سزار أبي خليل سنة 2017 وهو عبارة عن قيام 12 تجمّع شركات للطاقة الشمسية في لبنان من دون رجوع الحكومة الى موافقة الهيئة الناظمة التي كانت صلاحيتها منتهية آنذاك. الإجراء الثاني والملحّ والضروري هو الإتجاه الى لامركزية الإنتاج والتوزيع وتقسيم المناطق اللبنانية كتقسيم نطاق امتياز زحلة وجبيل وبحمدون وعاليه، كما الاجازة للبلديات الكبرى واتحاد البلديات ان تتعاقد مع القطاع الخاص لانشاء وادارة معامل طاقة شمسية بالتنسيق التقني مع كهرباء لبنان.
اموال المؤسسة
- هل السجال الدائر بين وزارة الطاقة ووزارة المال حول اموال مؤسسة كهرباء لبنان في مصرف لبنان الذي يرفض تحويلها الى دولار ، هل هل هي خطة لدولرة فواتير الكهرباء ؟.
- الأموال التي تحكي عنها كهرباء لبنان والموجودة في المصرف المركزي، هي أموال "مش حرزانة" لأنها نتجت عن جباية ما تمّ من طاقة و"فوترة" والتي هي أقلّ بكثير من الطاقة التي وضعت على الشبكة في تلك الفترة وحالياً، لأن في العام 2019 كانت نسبة الهدر 39% واليوم نسبة الهدر 66% حسب معلومة سمعناها من أحد الخبراء، وهو الأمر الطبيعي في أن ترتفع بالنسبة لازدياد نسبة النازحين ونسبة التعليق. أما مؤسسة الكهرباء فلا تستطيع ان تسترد سوى القليل من الجباية، مع أن زيادة 27 سنت التي اعلن عنها الوزير فياض، والتي فرضت على المواطن، لن تستطيع تغطية العجز والهدر لأنه كبير جداً وهذه التغطية غير عادلة وغير شرعية، وكم ستستطيع كهرباء لبنان أن تقوم بالجباية وتحويلها للدولار .. وطريقة التحويل للدولاراعتقد أنها ستؤثر سلباً على سياسة تثبيت سعر الصرف المعتمدة حالياً والتي تساهم فيها أموال السياح والمغتربين، حيث عند انتهاء الموسم السياحي ستتفاقم المشاكل طالما لم يدخل البلد حيّز المعالجة الكبرى لانتخاب رئيس جمهورية واعادة تكوين السلطة.