تخطي إلى المحتوى
دولية

التثبيت المتشدد لـالفيدرالي يربك الأسواق ويضع الحاكم الجديد أمام معضلة التضخم

 التثبيت المتشدد لـالفيدرالي يربك الأسواق ويضع الحاكم الجديد أمام معضلة التضخم

خاب أمل المستثمرين الذين كانوا يبحثون عن إشارات أكثر وضوحاً من مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي بقيادته الجديدة، بعدما أرسل البنك المركزي رسائل متباينة بشأن مسار السياسة النقدية، ما أثار مخاوف من اتساع تقلبات أسواق الأسهم والسندات في الفترة المقبلة.

وأبقى «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة دون تغيير، ضمن نطاق مستهدف يتراوح بين 3.50 و3.75 في المائة، في قرار وصفه محللون بأنه «تثبيت متشدد»، بعدما عارض 3 من أصل 12 عضواً يحق لهم التصويت الإبقاء على المعدلات الحالية. ويعكس هذا الانقسام المتزايد داخل البنك المركزي اختلافاً في تقييم المخاطر بين استمرار التضخم والحاجة إلى دعم النمو الاقتصادي.

ورغم قرار تثبيت الفائدة، فإن الاجتماع لم يقدم الطمأنة التي كانت تبحث عنها الأسواق؛ إذ ترك الباب مفتوحاً أمام احتمال رفع أسعار الفائدة مستقبلاً، إذا لم تظهر مؤشرات واضحة على تراجع الضغوط السعرية. وبات المستثمرون يترقبون البيانات الاقتصادية المقبلة لتحديد الخطوة التالية لـ«الفيدرالي»، بدلاً من الاعتماد على إشارات مسبقة من مسؤولي البنك.

وكانت الأسواق قبل الاجتماع تسعِّر احتمالاً يقارب 36 في المائة لرفع أسعار الفائدة، ما جعل الاجتماع من أكثر اجتماعات «الفيدرالي» غموضاً منذ كانون الأول 2018، وفقاً لبنك «دويتشه». وبعد القرار، ارتفعت احتمالات رفع الفائدة في أيلول لفترة وجيزة إلى 77 في المائة في أسواق العقود الآجلة، قبل أن تتراجع إلى نحو 57 في المائة، وفق أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي». كما تسعِّر الأسواق حالياً زيادات بنحو 35 نقطة أساس حتى نهاية عام 2026.

أثارت تصريحات رئيس «الفيدرالي» كيفين وارش بشأن ضرورة خفض التضخم، من دون إبداء استعداد مباشر للتحرك نحو رفع أسعار الفائدة، عمليات بيع قوية في سوق السندات؛ إذ رأى المستثمرون أن الرسائل الحالية لا تترافق مع استراتيجية واضحة لتحقيق هدف التضخم.

وقفز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً متجاوزاً 5.2 في المائة، وهو أعلى مستوى له في 19 عاماً، قبل أن يواصل ارتفاعه، في تحرك اعتبره محللون مؤشراً على قلق الأسواق بشأن قدرة «الفيدرالي» على إعادة التضخم إلى مستواه المستهدف البالغ 2 في المائة.

يواجه وارش تحدياً مزدوجاً يتمثل في الحفاظ على استقلالية البنك المركزي ومصداقيته في مكافحة التضخم، في وقت يدفع فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب باتجاه سياسة نقدية أكثر تيسيراً وخفض أسعار الفائدة.

وحتى الآن، امتنع ترامب عن انتقاد وارش بسبب عدم خفض الفائدة، وألقى باللوم بدلاً من ذلك على أعضاء مجلس «الفيدرالي» الآخرين، كما أشاد به يوم الأربعاء، رغم قرار الإبقاء على المعدلات دون تغيير.

في المقابل، تزداد الدعوات داخل «الفيدرالي» لاتخاذ موقف أكثر تشدداً. فقد عارض 3 مسؤولين قرار التثبيت، بينما أبدى آخرون قلقهم من استمرار التضخم فوق الهدف رغم إبقاء الفائدة مستقرة.

وزاد وارش من حالة الغموض بعدما لمح إلى احتمال مراجعة الإطار الذي يعتمد عليه «الفيدرالي» منذ سنوات لتقييم نجاحه في احتواء التضخم، والمتمثل في هدف سنوي يبلغ 2 في المائة، وفق مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي.

وقال وارش عقب الاجتماع: «هذا هو هدفنا، وسنلتزم به»، ولكنه أضاف أن فرق العمل التي اختارها في أيار، والمكونة من 15 خبيراً خارجياً، قد تقدم توصيات بشأن استراتيجية السياسة النقدية، بما في ذلك إطار استهداف التضخم، بحلول نهاية عام 2026.

ويخشى المستثمرون أن تؤدي أي مراجعة محتملة لهدف التضخم إلى تغيير قواعد اللعبة التي بنت عليها الأسواق توقعاتها خلال السنوات الماضية؛ خصوصاً أن هذا الهدف يمثل أحد أهم مرتكزات مصداقية «الفيدرالي» في إدارة توقعات الأسعار.

انعكس قرار «الفيدرالي» ورسائله المتباينة على الأسواق المالية؛ إذ تعرضت الأسهم لضغوط بسبب احتمال بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، بينما استمرت العوائد طويلة الأجل في الارتفاع.

ويرى محللون أن «التثبيت المتشدد» قد يكون سلبياً للأصول عالية المخاطر؛ لأنه يرفع احتمالات استمرار تكاليف الاقتراض المرتفعة، كما يزيد مخاطر اضطرار «الفيدرالي» إلى تشديد السياسة لاحقاً بوتيرة أكبر إذا لم ينجح في احتواء التضخم.

وفي سوق السندات، أدى احتمال رفع الفائدة مستقبلاً إلى استمرار الضغوط على العوائد؛ خصوصاً السندات قصيرة ومتوسطة الأجل الحساسة لمسار السياسة النقدية. وارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات خلال تموز بنحو 27 نقطة أساس، وهي أكبر زيادة شهرية منذ آذار.

ومع بقاء التضخم فوق هدف «الفيدرالي»، واستمرار المخاوف من عودة الضغوط السعرية بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية، تدخل الأسواق مرحلة أكثر حساسية؛ حيث ستكون بيانات التضخم والنمو والوظائف المقبلة العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان البنك المركزي سيتجه إلى التشديد مجدداً أو سيحافظ على سياسة الانتظار.