تخطي إلى المحتوى
تحليل

ثروات الماضي لن يصنعها المستقبل .. هل انتهى حلم الثراء !

ثروات الماضي لن يصنعها المستقبل  .. هل انتهى حلم الثراء !

لم يعد السؤال في الاقتصادات المتقدمة هو كيف يصبح الجيل الجديد أكثر ثراءً من الجيل الذي سبقه، بل بدأ سؤالاً أكثر إثارة للقلق يفرض نفسه! ماذا لو كان أبناؤنا أول جيل لا يصبح أغنى من آبائهم؟ لعقود طويلة، قامت الفكرة الأساسية للنمو الاقتصادي في المجتمعات الغربية على وعد شبه ضمني بأن كل جيل جديد سيحصل على تعليم أفضل، ودخل أعلى، ومسكن أكثر قيمة، وفرص أكبر لبناء الثروة من الجيل السابق. لكن هذه المعادلة بدأت تتصدع، مع اتساع الفجوة بين ثروة كبار السن وثروة الشباب في عدد من الاقتصادات المتقدمة، حيث استفادت الأجيال الأكبر سناً من عقود من ارتفاع أسعار العقارات والأسهم وتراكم المدخرات، في حين يواجه الشباب اليوم أسعار مساكن أعلى بكثير، وإيجارات مرتفعة، وديوناً تعليمية واستهلاكية، ودخولاً لا ترتفع بالسرعة نفسها.

وتشير مقارنات دولية إلى أن ثروة الأسر التي يرأسها أشخاص في سن التقاعد أو قريباً منه أصبحت في بعض الاقتصادات تفوق ثروة الأسر الشابة بنحو ستة أضعاف، وهي فجوة لا تعكس مجرد اختلاف في حجم الحسابات المصرفية، بل تكشف اختلافاً أعمق في ملكية الأصول والقدرة على الادخار والاستفادة من ارتفاع قيمتها. فالجيل الأكبر سناً اشترى في كثير من الحالات منازل في وقت كانت فيه أسعار العقارات أكثر تناسباً مع الدخول، ومع مرور العقود تضاعفت قيمتها، فأصبح المنزل الذي كان في الأصل وسيلة للسكن أحد أهم مصادر الثروة. وفي الوقت نفسه، استفاد أصحاب الأسهم والاستثمارات من قوة الأسواق المالية والتراكم المركب على مدى سنوات طويلة.

أما الشباب، فيدخلون اليوم سوق الحياة الاقتصادية من نقطة مختلفة تماماً. فقد يحصل الشاب على راتب جيد نسبياً، لكنه يحتاج إلى نسبة أكبر بكثير من دخله لدفع الإيجار أو شراء منزل أو رعاية الأطفال أو سداد القروض. وقد يكون الشخص في الستينيات أو السبعينيات من عمره قد سدد منزله بالكامل، ويمتلك مدخرات تقاعد واستثمارات ارتفعت قيمتها مع الزمن، بينما لا يزال شاب في الثلاثين يبحث عن طريقة لتوفير الدفعة الأولى لمنزل. لذلك لم يعد الدخل وحده كافياً لقياس الوضع المالي للأجيال؛ فملكية الأصول أصبحت عاملاً حاسماً في تحديد من يملك الثروة ومن يظل يطارد تكاليف المعيشة.

وفي أوروبا، تكشف بيانات Eurostat جانباً واضحاً من هذه الأزمة، إذ ارتفعت أسعار المنازل في الاتحاد الأوروبي بصورة كبيرة منذ عام 2010، بالتوازي مع ارتفاع الإيجارات، وفي عدد من الدول كان صعود أسعار العقارات أسرع بكثير من نمو الأجور. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية بالنسبة إلى الشباب: ليس فقط أنهم لا يكسبون ما يكفي، بل إن الأصل الذي كان قادراً على صناعة الثروة أصبح بعيداً عن متناولهم. فالمنزل بالنسبة إلى جيل سابق لم يكن مجرد مكان للعيش، بل كان أيضاً وسيلة ادخار واستثمار، بينما أصبح بالنسبة إلى كثير من الشباب اليوم تكلفة شهرية ضخمة تؤجل قدرتهم على تكوين رأس المال. ومع ارتفاع أعمار شراء المسكن الأول، يعتمد عدد متزايد من الشباب على مساعدة الوالدين في تأمين الدفعة الأولى، لتصبح الثروة التي راكمها جيل سابق عاملاً مؤثراً في تحديد نقطة انطلاق الجيل الجديد.

هنا في الولايات المتحدة، تبدو الصورة مشابهة. فبيانات الاحتياطي الفيدرالي تظهر أن الفئات العمرية الأكبر تمتلك حصة ضخمة من صافي ثروة الأسر الأمريكية، بينما لا تزال حصة الشباب من الثروة الإجمالية أقل بكثير. ومن اشترى منزلاً قبل عقود استفاد من ارتفاع قيمته، ومن استثمر في الأسهم منذ سنوات طويلة استفاد من التراكم المركب، في حين وجد الشاب الذي بدأ حياته المهنية بعد جائحة كورونا نفسه أمام سوق عقارية مرتفعة الأسعار، وتكاليف معيشة أعلى، وفوائد رهن عقاري أكثر صعوبة مما اعتاد عليه جيل والديه.

جيل الألفية والجيل Z يواجهان بذلك سلسلة من الصدمات في توقيتات حساسة من حياتهما. فقد دخل كثير من أبناء جيل الألفية سوق العمل في أعقاب الأزمة المالية العالمية عام 2008، ثم جاءت جائحة كورونا، تلاها التضخم وارتفاع أسعار الفائدة، بينما واصلت تكاليف السكن الارتفاع في عدد كبير من الأسواق. وقد يكون هؤلاء الشباب أكثر تعليماً وأكثر اتصالاً بالتكنولوجيا وأكثر إنتاجية من أجيال سبقتهم، لكن ذلك لا يضمن بالضرورة أنهم سيبنون ثروة أسرع.

المفارقة أن الاقتصاد يمكن أن ينمو، والأسواق يمكن أن تسجل مستويات قياسية، والتكنولوجيا يمكن أن تحقق قفزات هائلة، بينما يشعر جيل كامل بأنه يتراجع مالياً. فالثروة تحتاج إلى دخل، لكنها تحتاج أيضاً إلى وقت، وأسعار أصول يمكن تحملها، وفرصة حقيقية للادخار والاستثمار. وإذا أصبح الشباب يصلون إلى هذه الفرصة في عمر متأخر، بعد سنوات من دفع الإيجار والديون وتكاليف المعيشة المرتفعة، فإن الفجوة بينهم وبين آبائهم لن تكون مجرد فجوة عمرية، بل قد تتحول إلى فجوة تاريخية بين جيل امتلك الأصول وجيل ورث ارتفاع أسعارها.

والسؤال في النهاية ليس ما إذا كان كبار السن يستحقون الثروة التي جمعوها؛ بالتأكيد هي نتيجة عقود من العمل والادخار والاستثمار. السؤال الأصعب هو ما إذا كان الاقتصاد الحديث لا يزال يمنح الجيل الجديد الفرصة نفسها لبناء ثروته بنفسه. فإذا كانت الإجابة تتجه نحو «لا»، فقد نكون أمام تحول اقتصادي واجتماعي غير مسبوق: جيل لا يرث فقط ثروة آبائه، بل يرث أيضاً اقتصاداً أصبح بناء الثروة فيه أصعب بكثير مما كان عليه !