ثلاثة بنود ضخمة غائبة عن موازنة 2027: الدين العام، وحصة الدولة من الفجوة المالية، وكلفة إعادة الإعمار. هي التزامات قائمة سواء ظهرت في الأرقام أو لم تظهر، وإدراجها كاملة سيُظهر عجزاً دفترياً كبيراً.
ثمة حجة جدّية لتبرير الغياب، ومن الإنصاف عرضها. في اقتصاد مُدولَر، تقرأ السوق الموازنة كإشارة إلى مصدر التمويل. وإذا رأت عجزاً هائلاً في بلد لا يقترض من الأسواق، فستسأل: من سيموّله؟ والجواب الظاهر الوحيد هو المصرف المركزي، أي الطباعة. وتوقّع الطباعة يكفي لتحريك السعر قبل أن تُطبع ليرة واحدة. ثم إن هذه البنود لم تُحسم بعد: لا قانون الفجوة أُقرّ، ولا الدين أُعيدت هيكلته، ولا مصادر الإعمار تأكدت. والرقم الرسمي المبكر قد يقيّد الدولة في مفاوضاتها.
مسؤوليات كثيرة، وخيارات قليلة
على الحكومة أن تحمل في وقت واحد قانون الفجوة، وإعادة هيكلة المصارف، والدين العام، والموازنة، وإعادة الإعمار، وملف مجموعة العمل المالي، والاتفاق مع صندوق النقد. كل بند مرتبط بالآخر، وحلّ أحدها بمعزل عن الباقي قد يخلق مشكلة في غيره.
أما الأدوات فمحدودة: لا أسواق دولية تقرض بشروط مقبولة، ولا وساطة مصرفية فاعلة، والمصرف المركزي لا يطبع الدولار، والطباعة ليست خياراً، والموارد شحيحة والجباية ضعيفة. وحين تتزاحم المسؤوليات وتضيق الخيارات، يصبح السؤال: ما الذي يمكن تحمّله، وبأي ترتيب؟
الهدوء جسر لا مقام
حجة الغياب تصلح مبرراً مؤقتاً لا سياسةً دائمة، فالالتزام لا يزول بحذفه. وإن كانت الحكومة تشتري الوقت، فعليها أن تقول للمواطن بوضوح:
- ما الترتيب؟ أي ملف يُحسم أولاً، وما الذي يليه.
- ما التعهد؟ لا تمويل نقدياً للدولة، بنص معلن.
- أين الالتزامات الغائبة؟ إطار مالي متوسط الأجل يعرض الدين والفجوة والإعمار ومساراتها الزمنية.
- ما المهلة؟ موعد معلن للخروج من الثبات المفروض إلى استقرار قائم على مصارف تعمل وودائع مُعالَجة وموازنة شاملة.
من دون هذه الإجابات يتحول الوقت المكتسب إلى وقت ضائع، ويصير الهدوء غاية بذاته.
ما نطلبه كمواطنين
لا يُطلب من الحكومة المستحيل، ولا يُعقل محاسبتها على قيود موروثة. لكن يحق للمواطن أن يعرف ما الذي تفعله بالوقت، وأن يرى أي خسارة تُوزَّع على من ولماذا. ونجاح إنقاذ القطاع المصرفي لا يُقاس بإغلاق الملف على عجل، بل بأن تكون النتيجة مصارف سليمة تخدم اقتصاداً حقيقياً، وودائع لها معنى، وثقة تقوم على أرقام معلنة لا على غياب الحركة.
وحين يُعلن أي تحسّن في إيرادات الدولة، سيُعرض حتماً كدليل انضباط. عندها يجدر بكل مواطن أن يطرح السؤال الذي يفرّق بين الإصلاح والتسوية:
هل زادت الدولة ما تجبيه لأنها صارت أقدر، أم لأن الليرة صارت أضعف؟









