منذ أشهر والدولار في لبنان يدور حول الرقم نفسه تقريباً. لا قفزات ولا انهيارات ولا نشرات عاجلة عن ارتفاع مفاجئ. وبعد سنوات من الصدمات، يبدو هذا الهدوء للمواطن كأنه بشرى. لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه قبل أن نطمئن: **لماذا لا يتحرك السعر؟ وما الذي يمنعه من التحرك؟**
الثبات شيء والاستقرار شيء آخر
الخلط بين الكلمتين هو أصل الالتباس. الثبات أن يبقى الرقم على حاله. الاستقرار أن يكون الاقتصاد قادراً على امتصاص الصدمات من دون أن ينفلت السعر أو تنهار الثقة. الأول قد يتحقق بالتضييق وحده، والثاني لا يتحقق إلا بأسس سليمة.
تخيّل مريضاً انخفضت حرارته لأن أحداً لم يعد يقيسها. الرقم هادئ، والمرض قائم.
لماذا لا يتحرك السعر اليوم؟
لأسباب لا علاقة لها بتعافي الاقتصاد:
- الليرة صارت عملة هامشية. معظم البيع والشراء والادخار يجري بالدولار. لم يعد سعر الليرة يمسّ إلا جزءاً صغيراً من حياتنا الاقتصادية، فلا حاجة لأحد إلى المضاربة عليها.
- كمية الليرة مضبوطة بالقوة. حين لا تطبع الدولة ولا تضخ سيولة جديدة، لا تجد الليرة ما يدفعها إلى الانفلات.
- لا مصارف تنقل الضغط. في الاقتصادات العادية، تمرّ الضغوط عبر القروض والودائع والتحويلات فتظهر في السعر. عندنا القناة معطّلة، فتُحبس الضغوط ولا تختفي.
- السعر واحد، لكن الدولار ليس واحداً. قيمة دولارك تختلف بين نقد في يدك وحساب محتجز في المصرف وتحويل من الخارج. فالسعر ثابت على الورق، وقيمته الفعلية متعددة.
أين تذهب الضغوط المحبوسة؟
ما لا يخرج في السعر يخرج في مكان آخر: في القدرة الشرائية التي تآكلت، وفي الودائع التي لا تُستعاد بقيمتها، وفي اقتصاد نقدي يتوسع خارج أي رقابة، وفي فجوة مالية لم يُحسم بعد من يتحمّلها. الثبات لا يُلغي الخسارة، بل يؤجّل ظهورها ويعيد توزيعها بصمت.
ما الذي لا نراه في الموازنة؟
هنا يصل الحديث إلى موازنة 2027. ثلاثة بنود ضخمة غائبة عنها: **الدين العام، وحصة الدولة من الفجوة المالية، وكلفة إعادة الإعمار.** هي التزامات قائمة، سواء ظهرت في الأرقام أو لم تظهر. وإدراجها كاملة سيُظهر عجزاً دفترياً كبيراً.
ثمة حجة جدّية لتبرير الغياب، ومن الإنصاف عرضها: في اقتصاد مُدولَر، السوق تقرأ الموازنة كإشارة إلى مصدر التمويل. وإذا رأت عجزاً هائلاً في بلد لا يقترض من الأسواق، فستسأل: من سيموّله؟ والجواب الوحيد الظاهر هو المصرف المركزي، أي طباعة الليرة. وتوقّع الطباعة يكفي لتحريك السعر قبل أن تُطبع ليرة واحدة. ثم إن هذه البنود لم تُحسم بعد: لا قانون الفجوة أُقرّ، ولا الدين أُعيدت هيكلته، ولا مصادر الإعمار تأكدت. والرقم الرسمي المبكر قد يقيّد الدولة في مفاوضاتها.
لكن الحجة تحمل شرطها
هذه الحجة تصلح مبرراً مؤقتاً فقط، لا سياسةً دائمة. فالالتزام لا يزول بحذفه، ومن يراه اليوم في الموازنة أو غيابه يعرف أنه سيظهر غداً. وإذا كان الغرض حماية الثبات ريثما نصل إلى أسس أمتن، فيجب أن يكون هذا الانتقال معلناً بأربعة عناصر:
1. ترتيب زمني واضح: يُحسم القانون أولاً، ثم يُقدَّر الرقم، ثم تُحدَّد مصادر التمويل، ثم يُقيَّد في الحسابات.
2. تعهد صريح بعدم تمويل الدولة بالطباعة.
3. إطار مالي متوسط الأجل يعرض الالتزامات الثلاثة ومسارها، ولو خارج اعتمادات السنة.
4. موعد للخروج من الثبات المفروض إلى استقرار قائم على مصارف تعمل وودائع مُعالَجة وموازنة شاملة.
من دون هذه العناصر، يتحول الانتقال إلى غموض مفتوح، ويصير الثبات غاية بذاته بدلاً من أن يكون جسراً.
ماذا يعني هذا لك؟
- لا تقِس صحة الاقتصاد بسعر الصرف وحده. اسأل عن قدرتك الشرائية والإستهلاكية، وعن مصير وديعتك، وعن كيف ستُوزَّع الخسارة.
- اسأل عن الأرقام الغائبة لا الحاضرة فقط. الموازنة التي تُظهر توازناً بحذف خصومها لا تقول شيئاً عن صحتها.
- طالب بالجدول الزمني. الهدوء الذي له خطة خروج معلنة يختلف عن هدوء لا يعرف أحد مدته ولا ثمنه.
سعر الصرف الهادئ نعمة إذا كان ثمرة أسس سليمة. أما إذا كان نتيجة تضييق مفروض، فهو هدنة. ومن حقنا، كمواطنين، أن نعرف متى تنتهي الهدنة، ومن سيدفع كلفتها حين تنتهي.









