لم يعد صعود أسعار النفط في المرحلة الراهنة مجرد انعكاس مباشر لانخفاض الإنتاج أو تعطل جزء من الإمدادات، بل أصبح تعبيرًا عن إعادة تسعير واسعة لمخاطر الطاقة العالمية. فخام غرب تكساس الوسيط يتحرك قرب 91.00 دولارًا للبرميل، بينما تجاوز خام برنت حاجز 100 دولار، في وقت تتقاطع فيه المخاطر الجيوسياسية مع اضطرابات النقل وارتفاع تكاليف التأمين وشح بعض المنتجات المكررة، وعلى رأسها الديزل. وفي تقديري، فإن السؤال الأهم بالنسبة للأسواق لم يعد ما إذا كان النفط قادرًا على مواصلة الارتفاع، بل إلى أي مدى يمكن أن تمتد هذه الموجة قبل أن تبدأ آليات إعادة التوازن في فرض نفسها.
وما يميز المشهد الحالي هو أن سوق النفط لم تعد تتعامل مع صدمة واحدة يمكن احتواؤها بسهولة، وإنما مع شبكة متداخلة من المخاطر تمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن خطوط الأنابيب السعودية إلى منشآت التكرير. وهذا النوع من المخاطر يرفع ما يمكن تسميته "علاوة المخاطر الجيوسياسية"؛ وهي علاوة لا تختفي لمجرد أن بعض براميل النفط عادت إلى السوق، لأن تكلفة نقل البرميل وتأمينه وطول الرحلة والمخاطر المرتبطة بوصوله إلى المصفاة أصبحت جزءًا من السعر النهائي. وتؤكد بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن ارتفاع أسعار الشحن والتأمين، إلى جانب اضطراب مسارات النقل، بات يضيف ضغطًا صعوديًا واضحًا إلى أسعار النفط المسلمة للمصافي.
ومن هنا يمكن فهم المفارقة الحالية: تدفقات النفط من المنطقة تتحسن، لكن الأسعار لا تتراجع بالسرعة التي قد توحي بها عودة الإمدادات. فالصورة اللوجستية أكثر تعقيدًا من مجرد احتساب عدد البراميل المنتجة. بعض الإمدادات عادت عبر مضيق هرمز، بينما لجأت دول خليجية إلى طرق بديلة وتحويلات بحرية لتقليل الاعتماد على الممرات الأكثر تعرضًا للخطر. كما استعادت السعودية جزءًا مهمًا من قدرتها على نقل الخام عبر خط الشرق-الغرب، حيث وصلت التدفقات إلى نحو 5.8 مليون برميل يوميًا، ما يوفر متنفسًا مهمًا أمام صادرات المملكة.
لكن عودة التدفقات لا تعني بالضرورة عودة السوق إلى وضعها الطبيعي. فالنفط الخام قد يجد طريقه إلى المستهلك، لكن المنتجات المكررة، وخصوصًا الديزل، لا تزال تواجه اختناقات أكثر حدة. وهذه نقطة أعتبرها جوهرية في قراءة المرحلة المقبلة؛ لأن قوة الطلب على الديزل وهوامش التكرير المرتفعة تدفع المصافي إلى زيادة مشترياتها من الخام، وبالتالي يمكن أن يستمر الضغط على النفط حتى في ظل تحسن بعض مؤشرات المعروض. وقد أشارت إدارة معلومات الطاقة إلى أن ضيق سوق الديزل عالميًا يمثل عاملًا إضافيًا يدعم الطلب على الخام، بينما ظلت مخزونات نواتج التقطير الأمريكية دون متوسطاتها الموسمية.
في المقابل، لا ينبغي أن نقع في فخ تفسير كل ارتفاع على أنه بداية لمسار صعود مفتوح. فالأسعار المرتفعة تحمل في داخلها بذور مقاومتها. ارتفاع النفط لفترة طويلة يضغط على الاستهلاك، ويحفز المنتجين خارج المنطقة على زيادة الإنتاج، ويدفع الحكومات إلى استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية، كما يعزز البحث عن بدائل للبرميل الخليجي. وفي الولايات المتحدة تحديدًا، تتوقع إدارة معلومات الطاقة ارتفاع إنتاج الخام إلى مستوى قياسي يبلغ 14.3 مليون برميل يوميًا في 2027، مقابل 13.9 مليونًا في 2026، وهو ما يمثل عاملًا مهمًا في الحد من اتساع أي عجز عالمي طويل الأمد.
لكن في الأجل القصير، تبدو كفة المخاطر مائلة إلى جانب الأسعار. إدارة معلومات الطاقة رفعت توقعها لمتوسط برنت في الربع الأخير من 2026 إلى 105 دولارات للبرميل، بزيادة 14 دولارًا عن تقديرها السابق، متوقعة استمرار قيود تدفقات الشرق الأوسط وانخفاض المخزونات العالمية بمعدل إضافي يبلغ نحو 700 ألف برميل يوميًا في الربع الرابع. كما رفعت توقعها لمتوسط برنت لعام 2026 إلى 96 دولارًا، مع توقع تراجع المتوسط إلى 84 دولارًا في 2027 إذا تحسنت التدفقات وأعيد بناء المخزونات.
وهنا أرى أن مستوى 100 دولار لبرميل برنت أصبح أكثر من مجرد رقم نفسي؛ فهو يعكس اختبارًا حقيقيًا لقدرة السوق على امتصاص الصدمة الجيوسياسية دون أن تتحول إلى أزمة إمدادات شاملة. تجاوز هذا المستوى واستقراره فوقه يحتاج إلى عامل جديد، مثل اتساع نطاق الهجمات على البنية التحتية أو تراجع إضافي في حركة الناقلات أو تعطّل مسارات بديلة رئيسية. أما إذا استمرت التدفقات في التحسن تدريجيًا، فمن المرجح أن يتحول حاجز 100 دولار إلى منطقة مقاومة قوية بدل أن يصبح نقطة انطلاق لموجة ارتفاع غير محدودة.
وبالنسبة إلى النفط الخام، فإن الفارق بينه وبين برنت يعكس أيضًا طبيعة السوق الأمريكية وقدرتها النسبية على الحصول على الإمدادات من مصادر داخلية وخارجية. لذلك فإن استمرار ارتفاع WTI قرب 91 دولارًا، بالتزامن مع بقاء برنت فوق 100 دولار، يعكس في جانب منه أن مركز الثقل في أزمة الطاقة الحالية يقع خارج الولايات المتحدة، وتحديدًا في أمن الإمدادات العالمية وتكلفة نقلها.
وفي المحصلة، أرى أن سوق النفط دخلت مرحلة جديدة لا يمكن فيها الاعتماد على معادلة "العرض مقابل الطلب" بصورتها التقليدية وحدها. المخاطر اللوجستية والجيوسياسية أصبحت جزءًا أساسيًا من آلية التسعير، بينما يمثل تحسن التدفقات عاملًا مضادًا يمنع الأسعار من الانفلات الكامل. ولذلك فإن المسار الأكثر ترجيحًا في الأجل القريب هو استمرار التقلبات الحادة مع بقاء علاوة المخاطر مرتفعة، وليس صعودًا خطيًا ومستمرًا.
وإذا ظهرت صدمة جديدة تضرب البنية التحتية أو تعرقل الملاحة في هرمز، فإن اختبار مستويات أعلى من 100 دولار سيصبح سيناريو واقعيًا. أما إذا استمرت السعودية ودول الخليج في استعادة مسارات التصدير، وبدأت المخزونات العالمية في التعافي، فإن السوق ستجد في النهاية طريقها إلى التهدئة. المعركة الحقيقية إذن ليست بين 90 و100 دولار فقط، بل بين قدرة السوق على إعادة بناء الإمدادات من جهة، واستمرار المخاطر الجيوسياسية في استنزاف هامش الأمان من جهة أخرى.









