تدخل أسعار الذهب مرحلة شديدة الحساسية مع اقتراب التداولات من مستوى 4,000 دولار للأونصة، في وقت تتشابك فيه الضغوط التضخمية المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة مع توقعات السياسة النقدية الأمريكية وتحركات الدولار. والمفارقة التي تستحق التوقف عندها أن الذهب، الذي يُنظر إليه تقليديًا باعتباره ملاذًا آمنًا في أوقات الاضطرابات، لم يتمكن من الاستفادة بصورة واضحة من تراجع الأسهم وانخفاض عوائد سندات الخزانة الأمريكية، بل تعرضت أسعاره لضغوط بيعية دفعت الذهب الفوري إلى التراجع بنحو 2.8%، وفق البيانات الواردة في التقارير الأخيرة.
ومن وجهة نظري، فإن هذا الأداء يعكس تحولًا في أولويات السوق؛ إذ لم يعد المستثمرون ينظرون إلى المخاطر الجيوسياسية والتقلبات المالية بمعزل عن تداعياتها التضخمية وتأثيرها المحتمل في قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
والعامل الأكثر تأثيرًا في توقعات الذهب خلال المرحلة الحالية هو ارتفاع أسعار النفط وما يحمله من مخاطر إعادة تسارع التضخم. فعندما ترتفع أسعار الطاقة بصورة مستمرة، لا يقتصر تأثيرها على تكاليف الوقود والنقل والإنتاج، بل يمتد إلى أسعار السلع والخدمات، ما قد يبطئ تراجع التضخم الأساسي ويجعل عودته إلى مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2% أكثر صعوبة. وفي هذه الحالة، قد تجد البنوك المركزية نفسها أمام معضلة اقتصادية تتمثل في التعامل مع ضغوط الأسعار دون التسبب في تباطؤ اقتصادي حاد.
وأرى أن هذه المعادلة تمثل أحد أبرز مصادر الضغط على الذهب حاليًا، لأن ارتفاع التضخم لا يشكل بالضرورة عامل دعم للمعدن الأصفر إذا أدى في الوقت نفسه إلى زيادة احتمالات تشديد السياسة النقدية أو تأجيل خفض أسعار الفائدة.
وتزداد أهمية هذه النقطة في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وما قد يترتب عليها من اضطرابات في إمدادات الطاقة وارتفاع علاوة المخاطر في أسواق النفط. فمن الناحية النظرية، يفترض أن يؤدي تصاعد المخاطر الجيوسياسية إلى تعزيز الطلب على الذهب باعتباره أحد الأصول التقليدية للتحوط.
لكن التجربة السوقية تؤكد أن العلاقة ليست آلية أو ثابتة؛ إذ يمكن أن تتغلب توقعات ارتفاع الفائدة وقوة الدولار على الطلب الدفاعي على المعدن النفيس. وبعبارة أخرى، قد تكون الأخبار الجيوسياسية داعمة للذهب على المدى المتوسط، لكنها لا تكفي وحدها لإطلاق موجة صعود مستدامة إذا كانت تداعياتها الاقتصادية تدفع الأسواق إلى تبني توقعات نقدية أكثر تشددًا.
وعلى صعيد السياسة النقدية، تتركز أنظار المستثمرين على اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة المرتقب، في محاولة لاستنتاج ما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي سيواصل تثبيت أسعار الفائدة أم سيشير إلى إمكانية تشديد إضافي في حال تجدد الضغوط التضخمية. وتشير المعطيات الواردة في التقارير إلى أن توقعات السوق أصبحت أكثر حساسية لاحتمالات رفع الفائدة، وإن كان القرار الفعلي لا يزال رهين البيانات الاقتصادية وتقييم صناع السياسة النقدية لمخاطر التضخم والنمو.
ومن وجهة نظري، فإن الأهم بالنسبة إلى الذهب ليس قرار الفائدة منفردًا، بل الرسالة التي سيقدمها الاحتياطي الفيدرالي بشأن المسار المتوقع للسياسة النقدية. فإذا تبنى البنك المركزي نبرة متشددة وأكد أن مخاطر التضخم لا تزال مرتفعة، فقد ترتفع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، وهو أصل لا يدر عائدًا دوريًا، ما قد يحد من قدرته على التعافي. أما إذا أشار إلى أن الضغوط التضخمية مؤقتة وأن الظروف الاقتصادية لا تبرر مزيدًا من التشديد، فقد يحصل المعدن الأصفر على مساحة لاستعادة جزء من خسائره.
وفي المقابل، يظل الدولار الأمريكي عنصرًا محوريًا في تحديد اتجاه الذهب، نظرًا إلى العلاقة العكسية التي تجمعهما في كثير من الفترات. فعودة الدولار إلى الارتفاع، مدعومة بتوقعات الفائدة الأمريكية والطلب على السيولة، تجعل الذهب أكثر تكلفة بالنسبة إلى حائزي العملات الأخرى، وقد تزيد الضغوط على الأسعار الفورية XAU/USD .
لكنني لا أرى أن قوة الدولار الحالية يجب أن تُفسر باعتبارها دليلًا كافيًا على دخول الذهب في اتجاه هبوطي طويل الأجل؛ فاستمرار العجز المالي الأمريكي، وتغير توقعات النمو، وأي تراجع لاحق في العوائد الحقيقية قد يعيد تشكيل موازين السوق. لذلك، فإن الحكم على المسار المقبل يتطلب متابعة الدولار والعوائد الحقيقية بالتوازي مع بيانات التضخم، بدل الاعتماد على حركة يومية واحدة.
أما من الناحية السعرية، فإن اقتراب الذهب من مستوى 4,000 دولار للأونصة يضع السوق أمام منطقة نفسية وفنية بالغة الأهمية. وأرى أن قدرة الأسعار على التماسك فوق هذه المنطقة ستشكل اختبارًا رئيسيًا لمدى استعداد المشترين للدفاع عن المعدن بعد التراجع الأخير. فإذا نجح الذهب في الاستقرار واستعاد الزخم الصعودي بالتزامن مع تراجع الدولار وهدوء توقعات التشديد النقدي، فقد نشهد ارتدادًا تصحيحيًا يعيد الأسعار إلى مستويات أعلى، على أن تتحدد قوة التعافي وفق حجم الطلب وتطورات العوائد. أما كسر مستوى 4,000 دولار بصورة واضحة ومستدامة، بالتزامن مع بيانات تضخم قوية أو إشارات متشددة من الاحتياطي الفيدرالي، فقد يفتح المجال أمام موجة تصحيح أعمق. ومع ذلك، ينبغي التعامل مع هذه المستويات باعتبارها مناطق مراقبة مشروطة بتطورات السوق، لا أهدافًا سعرية مؤكدة، خصوصًا في ظل التقلبات المرتفعة المرتبطة بالأخبار الاقتصادية والجيوسياسية.
وفي تقديري، فإن السيناريو الأساسي للذهب خلال الأيام المقبلة سيظل رهين التوازن بين ثلاثة عوامل رئيسية: مسار أسعار الطاقة، وتوقعات الفائدة الأمريكية، واتجاه الدولار. فإذا استمرت أسعار النفط في الارتفاع وأعادت إحياء المخاوف التضخمية، فقد يجد الذهب صعوبة في تحقيق مكاسب مستدامة حتى في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية. أما إذا هدأت أسواق الطاقة، وتراجعت العوائد الحقيقية، وضعفت العملة الأمريكية، فقد يستعيد المعدن الأصفر جاذبيته بوصفه أداة للتحوط من المخاطر الاقتصادية والمالية. لذلك، لا أميل إلى تبني نظرة هبوطية مطلقة، كما لا أرى أن التراجع الحالي يوفر وحده إشارة كافية إلى عودة الاتجاه الصعودي.
والخلاصة أن الذهب يمر بمرحلة إعادة تسعير تتجاوز تأثيرات العرض والطلب التقليدية، وتعكس صراعًا بين جاذبيته كملاذ آمن وبين الضغوط التي تفرضها احتمالات استمرار السياسة النقدية المتشددة. وستكون استجابة الاحتياطي الفيدرالي لبيانات التضخم، إلى جانب تحركات النفط والدولار وعوائد السندات، العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان مستوى 4,000 دولار سيشكل قاعدة لتعافٍ جديد أم نقطة انطلاق لتصحيح أعمق. ومن وجهة نظري، فإن التعامل الأكثر احترافية مع توقعات أسعار الذهب يقتضي التركيز على تأكيدات السوق والبيانات الفعلية، مع الحفاظ على المرونة في تقييم السيناريوهات، بدل افتراض أن التضخم أو المخاطر الجيوسياسية وحدهما كافيان لدفع الأسعار في اتجاه محدد.









