تخطي إلى المحتوى
اقتصاد لبنان والعالم العربي والعالم
تحليل

سعر البيتكوين امام اختبار حاسم هل يشعل قرار الفيدرالي الموجة

سعر البيتكوين امام اختبار حاسم هل يشعل قرار الفيدرالي الموجة

يدخل سعر البيتكوين مرحلة حساسة مع اقتراب قرار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بشأن أسعار الفائدة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الفنية وتتراجع قدرة العملة الرقمية الأكبر على استعادة مستويات المقاومة التي فقدتها خلال التصحيح الأخير. ومع تداول البيتكوين قرب مستوى 79 ألف دولار، لم يعد السؤال مقتصرًا على اتجاه السعر في الأجل القصير، بل أصبح مرتبطًا بقدرة السياسة النقدية الأمريكية على إعادة تشكيل شهية المخاطرة، وتحديد مسار السيولة في الأسواق المالية خلال المرحلة المقبلة. وفي تقديري، فإن التفاعل بين قرار الفيدرالي وتوقعاته المستقبلية سيكون أكثر أهمية من القرار نفسه، خصوصًا أن الأسواق قد استوعبت بالفعل جانبًا من السيناريو المتوقع.

وتأتي هذه التطورات بعد تراجع البيتكوين بنحو 9.3% عن قمته المسجلة في 21 سبتمبر عند 87,392 دولارًا، وفق البيانات الواردة في التقارير الأخيرة، بعدما فقد السعر منطقة 81,300 دولار التي شكلت دعمًا خلال الأسابيع الماضية. ويعكس هذا التحول تراجعًا في الزخم الصعودي، لكنه لا يكفي وحده لتأكيد دخول السوق في موجة هبوط ممتدة. فالأسواق الرقمية تتأثر بمزيج معقد من العوامل النقدية وتدفقات الاستثمار ومراكز المشتقات، وهو ما يجعل قراءة حركة السعر بمعزل عن هذه المتغيرات غير كافية لتحديد الاتجاه القادم.

وعلى الصعيد الأساسي، تتركز الأنظار على اجتماع الاحتياطي الفيدرالي المقرر في 28 أكتوبر، وسط توقعات باستقرار أسعار الفائدة، مع استمرار المخاوف المرتبطة بالتضخم وتكاليف الطاقة. وإذا اختار الفيدرالي الإبقاء على الفائدة دون تغيير، فإن ذلك لن يعني بالضرورة تحولًا إيجابيًا للبيتكوين؛ إذ ستتوقف استجابة الأسواق على نبرة صناع السياسة النقدية، ومدى استعدادهم للإشارة إلى تخفيضات مستقبلية أو الإبقاء على الأوضاع النقدية المتشددة لفترة أطول. فالتصريحات التي تعزز مخاوف التضخم قد تدفع المستثمرين إلى إعادة تسعير توقعاتهم للفائدة، بما يدعم الدولار ويزيد الضغوط على الأصول عالية المخاطر.

وفي المقابل، قد تمنح النبرة الأكثر مرونة البيتكوين فرصة لاستعادة جزء من خسائره، خصوصًا إذا ترافقت مع تراجع عوائد السندات الأمريكية وتحسن تدفقات الاستثمار نحو صناديق البيتكوين المتداولة في البورصة. غير أن هذا السيناريو يحتاج إلى تأكيد من بيانات السوق، وليس مجرد رد فعل لحظي عقب الإعلان. فاستمرار ارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب أي إشارات إلى ثبات التضخم عند مستويات مرتفعة، قد يحد من قدرة الفيدرالي على تبني خطاب تيسيري، ويجعل أي تعافٍ في البيتكوين عرضة للتراجع مجددًا.

سفنيًا، تبرز منطقة 77,000 إلى 77,765 دولارًا باعتبارها نطاق الدعم الرئيسي التالي، وتمثل هذه المنطقة اختبارًا مهمًا لقدرة المشترين على امتصاص ضغوط البيع والحفاظ على التوازن بين العرض والطلب. وفي حال تراجع السعر إليها، فإن رد الفعل سيكون أكثر أهمية من مجرد ملامسة المستوى؛ إذ إن ظهور طلب قوي واستعادة الزخم قد يدعمان سيناريو التماسك، بينما قد يؤدي الكسر الواضح والمستمر إلى فتح المجال أمام تصحيح أعمق. أما العودة فوق 81,300 دولار، ثم اختراق مستوى 82,500 دولار بصورة مستدامة، فستعزز احتمالات التعافي وتضعف النظرة السلبية على المدى القصير.

ومن المؤشرات التي تستحق المتابعة أيضًا تطورات سوق المشتقات، بعدما ارتفع حجم المراكز المفتوحة في عقود البيتكوين الآجلة إلى نحو 669,253 بيتكوين في 25 أكتوبر، رغم تراجع الأسعار. وقد يعكس ذلك استمرار استخدام الرافعة المالية وتزايد الرهانات المتعارضة بين المتداولين، وهو ما يرفع احتمالات التقلبات الحادة إذا تحرك السعر بقوة في أي من الاتجاهين. لذلك، فإن اختراق المقاومة أو كسر الدعم دون متابعة أحجام التداول وتصفية المراكز قد يعطي إشارات مضللة بشأن قوة الحركة واستدامتها.

في المقابل، لا تزال هناك عوامل تدعم الرؤية الإيجابية على المدى المتوسط. وهنا يمكننا القول أن السوق الهابطة ربما بلغت قاعها في يونيو، بالاستناد إلى تراجع ضغوط البيع من حاملي البيتكوين على المدى الطويل، وتحسن بعض المؤشرات الفنية، وعودة السعر للإغلاق فوق متوسطه المتحرك لمدة 50 أسبوعًا لعدة أسابيع. لكن هذه القراءة تظل فرضية تحليلية وليست ضمانًا لانتهاء المخاطر؛ إذ إن استمرار ضعف الطلب أو تراجع السعر دون مستويات الدعم الرئيسية قد يعيد اختبار هذه التقديرات.

وفي تقديري، يقف البيتكوين حاليًا بين مسارين تحددهما قدرة السوق على استيعاب الصدمة النقدية المقبلة. السيناريو الإيجابي يتطلب نبرة أقل تشددًا من الفيدرالي، وتحسنًا في الطلب، واستعادة مستويات 81,300 و82,500 دولار. أما السيناريو السلبي، فيرتبط بتشدد التوقعات النقدية وكسر منطقة 77 ألف دولار تحت ضغط بيعي مستمر. وبين الاحتمالين، لا أرى أن التراجع الحالي يكفي وحده لإعلان بداية سوق هابطة جديدة، كما لا أعتبر استقرار السعر قرب 79 ألف دولار دليلًا على عودة الاتجاه الصعودي. وستبقى حركة البيتكوين بعد قرار الفيدرالي، وتفاعل السيولة مع مستويات الدعم والمقاومة، العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت المرحلة الحالية مجرد تصحيح وتجميع أم بداية موجة هبوط أوسع.

اجعل مجلة 24 مصدرك المفضّل على Google