تخطي إلى المحتوى
اقتصاد لبنان والعالم العربي والعالم
تحليل

سيولة الذهب قد تبقى منخفضة طويلا وسط عدم اليقين الجيوسياسي والنقدي

سيولة الذهب قد تبقى منخفضة طويلا وسط عدم اليقين الجيوسياسي والنقدي

يميل الذهب إلى التراجع بشكل طفيف اليوم بأقل من 0.6%، ويتداول بالقرب من مستوى 4040 دولاراً للأونصة تالياً ليوم شهد تعافياً بأكثر من 1%.

قد يواجه الذهب نقصاً مستداماً في تدفقات السيولة لفترة مطولة طالما بقيت عوامل عدم اليقين التي تحول دون تراكم التمركزات المؤسسية على نحو راسخ في الجانب الشرائي. أبرز هذه العوامل ضبابية الرؤية فيما يتعلق بمسار الصراع في الشرق الأوسط، الذي قد يتجه إلى التوسع مجدداً خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة، مما يُبقي المخاطر الصعودية للتضخم مرتفعة للغاية نتيجة تفاقم مخاطر استهداف البنية التحتية للطاقة في الإقليم. يحول ذلك دون استدامة تدفقات الاستثمار إلى الذهب في ظل أسعار الفائدة المرتفعة والميل لتفضيل السيولة ضعف القدرة الشرائية خاصة في الشرق الأوسط وآسيا.

لا تزال العقود الآجلة للنفط تتداول بالقرب من أعلى قممها المسجلة حديثاً، إذ يحوم خام غرب تكساس الوسيط بالقرب من 101 دولار للبرميل وبرنت أعلى من 111 دولاراً للبرميل. يأتي هذا الارتفاع في أسعار الخام على الرغم من قدرة الإقليم على استعادة تدفق إمدادات الخام إلى السوق العالمية بمستويات ما قبل الحرب، غير أن هذا التباعد بين الأسعار والتدفقات يعكس حجم المخاطر الكامنة حول إمكانية عودة فقدان الإمدادات على نطاق واسع. يأتي هذا بدوره ضوء جملة الإشارات التي توحي بأن تجدد الصراع في الشرق الأوسط قد يكون أمراً حتمياً، وقد ينطوي على تجدد الصدمات مثل تلك التي شهدناها في سبتمبر الفائت عند استهداف خط «شرق-غرب» في المملكة العربية السعودية. لا نزال نشهد حتى الآن استهدافات لهذه المرافق مع قيام الحوثيين في اليمن باستهداف أكبر مصافي المملكة بالأمس، وهي رأس تنورة.

ليس هذا فحسب، إذ تبدو بوادر عودة الصراع الأوسع الذي قد يضم إيران والولايات المتحدة وإسرائيل أوضح من السابق. أخطرت الولايات المتحدة عدداً من دول الخليج للإعداد لحملة عسكرية كثيفة وقصيرة الأجل بعد انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، وفقاً لمصادر مطلعة لصحيفة «وول ستريت جورنال». ذكر بعض المسؤولين أن القوات الأمريكية تعمل على تعزيز مخزونها من الذخائر وتجهيز القاذفات والمقاتلات لشن الضربات، وفق الصحيفة ذاتها نقلاً عن مسؤولين.

تكمن المعضلة هنا في أن متخذي قرار هذه الحرب في السابق ظنوا أنها ستكون قصيرة وسريعة وقادرة على تحقيق أهدافها، ويبدو أن هذا ما يأملونه في الضربات القادمة، وهو ما قد ينطوي على سوء تقدير لا ينجم عنه سوى امتداد موسع للحرب زمنياً ومكانياً، مما يفاقم التبعات على مستوى العالم وقد يقود إلى المزيد من موجات التصعيد متعدد الجبهات كما رأينا سابقاً. قال مسؤول سابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية لصحيفة «وول ستريت جورنال»: "أعتقد أن إحدى أكبر الأخطاء التي تواصل إسرائيل والولايات المتحدة ارتكابها هي افتراض أن جولة أخرى من الضربات ضد إيران - بما في ذلك مهاجمة البنية التحتية الحيوية أو القضاء على مسؤولين كبار - يمكن أن تؤدي بطريقة أو بأخرى إلى إسقاط النظام."

علاوة على ذلك، تحظى الانتخابات البرلمانية في إسرائيل باهتمام واسع النطاق، إذ إن تشكيلة الكنيست الجديدة والتفاهمات بشأن تشكيل الحكومة الجديدة في الأشهر المقبلة قد تنطوي على تحولات جوهرية في مسارات الصراع متعدد الجبهات.

من شأن هذا السرد أن يعزز المخاطر الصعودية للتضخم المرتفع المدفوع بالطاقة، ومع الامتداد الزمني لهذه الحرب قد يتسلل هذا التضخم على نحو أوسع إلى الأجور والسلع والخدمات الأخرى، مما قد يُبقي صناع السياسة النقدية أكثر تمسكاً بمواقفهم المتشددة مطولاً وسط احتمالات لاستمرار رفع أسعار الفائدة خلال العام المقبل. عزز هذا الأمر المسحُ الأخير الذي أجرته رويترز، والذي أشار إلى رفع توقعات التضخم للعام المقبل في 31 اقتصاداً من أصل 50 اقتصاداً شملها المسح.

تترقب السوق اليوم قرار الاحتياطي الفيدرالي بشأن سعر الفائدة، والأهم من ذلك الخطاب المرتقب من رئيسه كيفين وارش تالياً لإعلان القرار الذي من المرجح أن يأتي لصالح إبقاء المعدلات عند نطاقها الحالي وفق أرقام «CME FedWatch». غير أن المخاوف حول تجدد الصدمات من نبرة وارش لاحقاً اليوم قد تساهم في إبقاء تدفقات السيولة أكثر شحاً تجاه الذهب.

جملة عوامل عدم اليقين تلك، سواء فيما يخص تطور الصراع في الشرق الأوسط أم الانتخابات في إسرائيل وآفاق التضخم، قد تمنع الذهب من اجتذاب السيولة الكافية لدعم التعافي المستدام، وقد تبقيه عرضة للانعكاس السريع بعد أي مكاسب مؤقتة غير مستدامة. تجلى شح السيولة في خروج أكثر من ملياري دولار من أكبر صناديق الذهب المادي «SPDR Gold Shares» في الأسبوع الفائت وحده، إضافة إلى أن المتوسط المتحرك لعشرين يوماً لحجم التداول للعقود الآجلة في بورصة «COMEX» يقع عند أدنى المستويات منذ اب أغسطس الفائت.

اجعل مجلة 24 مصدرك المفضّل على Google