خرج الاقتصاد العالمي من عام 2022 وهو في وضع مضطرب، وذلك بفعل الأحداث الضخمة التي شهدها العالم خلال هذا العام، وخصوصاً الحرب الروسية الأوكرانية التي تُرجِمَت أعباؤها ارتفاعاً بأسعار السلع الأساسية كالطاقة والغذاء، فضلاً عن الارتفاع الكبير في نسب التضخم، ولجوء المصارف المركزية إلى رفع مستويات الفائدة ما انعكس ارتفاعاً في معدلات الديون وانهياراً بأسواق الأسهم العالمية.
وفي ظل هذه البيئة الصعبة، لا يضع المستثمرون في العالم آمالاً كبيرة في أن تتحسن الأوضاع الاقتصادية خلال العام الجديد 2023، فالمؤشرات الحالية تخبرنا أن هناك الكثير من المخاطر التي تتربص بالاقتصاد العالمي، أبرزها خطر "البجعة السوداء" الذي حذّر منه رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الأسبق آلان غرينسبان والذي يتجسد بوقوع المحظور من خلال قيام الصين بالهجوم العسكري على تايوان، وهو ما ستكون انعكاساته كارثية على العالم أجمع
واكد رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك إن المرحلة "الصعبة" في اقتصاد المملكة المتحدة ستستمر في عام 2023 بسبب عواقب الحرب في اوكرانيا.
وقال"لن أتظاهر بأن جميع مشكلاتنا ستختفي في العام الجديد. لكن عام 2023 سيمنحنا فرصة لإظهار أفضل ما في المملكة المتحدة للعالم".
ووصف سوناك العام 2022 بأنه "صعب"، لكنه تعهد بمواصلة دعم سلطات كييف رغم الصعوبات الاقتصادية، التي عزاها إلى حدٍ كبير للعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، قائلاً: "لقد كان لهذا تأثير اقتصادي عميق على العالم، والمملكة المتحدة ليست محصنة ضده".
"مجلة 24 " حاورت رئيس جمعية مصارف مملكة البحرين الدكتور عدنان يوسف حول الظواهر الاقتصادية العالمية ومشاكل التضخم وانعكاسات الحرب الروسية الاوكرانية ،والصراع التجاري المالي والنقدي بين الولايات المتحدة والصين وهذا هو نص الحوار :·
التضخم
* نسب التضخم في بريطانيا لاتزال مرتفعة والقطاع العقاري في تراجع ملحوظ نظرا لارتفاع معدلات الفوائد على القروض ولكن الجنيه الإسترليني لايزال صامداً مقابل الدولار الأميركي واليورو ما هو تفسيركم لهذا الواقع.
- تعافى الاقتصاد البريطاني جزئياً خلال الأشهر الماضية ، لكن الصورة الكبرى يطغى عليها النمو البطيء بعد ارتفاع التضخم العام الماضي وزيادة بنك إنجلترا أسعار الفائدة 14 مرة متتالية.
ودفعت علامات التباطؤ بنك إنكلترا إلى الامتناع عن رفع تكاليف الاقتراض مرة أخرى الشهر الماضي. ويبدو أن اقتصاد المملكة المتحدة صامد لكنه لا يزال في حالة محفوفة بالمخاطر، وخاصة فيما يتعلق بالقضايا التي تواجهها الشركات البريطانية وارتفاع معدلات التضخم وأسعار الفائدة، ونقص المهارات، والحواجز التجارية مع الاتحاد الأوروبي.
كما يظهر تقرير صدر عن شركة «سافيلس» العقارية أنه رغم انخفاض معدل التضخم تراجعت أسعار المنازل الحقيقية في المملكة المتحدة منذ عام 2022، وتدهورت قيمة الثروة العقارية السكنية في البلاد إلى مستوياتها عشية الأزمة المالية العالمية.
مع ذلك، يذكر التقدير أن ذلك الانخفاض في أسعار العقارات يعود في قدر منه إلى التراجع الموسمي من العام تقليدياً، وإن كان التراجع أو على الأقل التباطؤ في ارتفاع أسعار البيوت في بريطانيا يعود إلى العوامل الاقتصادية الأوسع، مثل ارتفاع كلفة المعيشة واستمرار ارتفاع معدلات التضخم والزيادة في أسعار الفائدة.
اليوان والدولار
*هل صحيح أن الصين تعمد على عدم رفع سعر اليوان مقابل الدولار دعما لصادراتها الى الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية والخليجية.
- يجب الأخذ في الاعتبار أن اليوان لا يزال محدود الاستخدام في الأسواق العالمية لكنه أصبح بشكل مفاجئ مُتَابعا بشكل كبير من المستثمرين الذين يريدون معرفة ما ستؤول إليه الأمور في الملف التجاري بين واشنطن وبكين. و لمعرفة أسباب هذه المتابعة اللصيقة، يجب العودة بالزمن سنوات إلى الوراء وتحديدا في اب أغسطس 2015 عندما ارتبطت تحركات اليوان بالدولار، وقتها كان المسؤولون الصينيون هم من يحددون سعر الصرف يومياً أمام سلة من العملات الرئيسية.
وتكمن فكرة ربط سعر صرف العملة الصينية في أن قيمتها يجب أن تعكس نوعاً ما قوى السوق وتحركاته وما يطرأ عليها من تغيرات بناء على حجم هذه القوى. و كانت النتيجة أن اليوان تحرك في نطاق محدود أمام الدولار وكان السقف هو «دولار لكل سبعة يوان» وعندما تنخفض العملة الصينية أدنى هذا المستوى، فإنه جيد لصادراتها لكنه يؤثر في حجم الديون الدولارية المستحقة على شركاتها. وعندما ينخفض اليوان بشكل كبير أيضاً، فإن ذلك ربما يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال من الصين.
ويتساءل كثيرون عن سبب عدم تحرير سعر صرف اليوان من أجل عدم إثارة أي شبهات تلاعب أو إثارة حرب عملات بين الصين والولايات المتحدة ودول أخرى، ورد محللون بأن الطريق لا يزال طويلاً أمام بكين لتبني هذه السياسة نظرا لأن اليوان لا يتمتع بالسيولة الكافية مع أن الاقتصاد الصيني يحتل المرتبة الثانية عالمياً بعد نظيره الأميركي مع الأخذ في الاعتبار حجم الاقتصادات الكبرى التي تتعامل مع بكين باليوان والدولار ليس فقط في آسيا بل في أوروبا أيضا.
وعامل أخر أمام تراجع اليوان أمام الدولار هو ارتفاع قوة الدولار عموما في الأسواق خلال الفترة الماضية.
الحرب الروسية الاوكرانية
*من هي الدول المستفيدة من استمرار الحرب الروسية الأوكرانية.
- المستفيد الأكبر من الأزمة هي الولايات المتحدة الأميركية التي خصصت عشرات المليارات من انفاقها عل تشغيل مصانعها الحربية، وزادت صادراتها إلى الدول الأوروبية، وبنفس الوقت قلصت نفوذ وقوة منافستها روسيا ، ومستفيدون آخرون هم الصين والدول المصدرة للنفط والغاز. بالنسبة للصين فالعالم يقدر أكثر أسلوب تعاملها والتزامها بالنمو السلمي، وقد استفادت من ذلك في توسيع تجارتها مع الدول التي فقدت صادراتها من الصين وأوكرانيا، علاوة على تعاظمت قوتها التنافسية بظل انشغال الدول الأوروبية والولايات المتحدة وروسيا بالحرب.
أما الدول النفطية فهي مستفيدة أيضا جراء ارتفاع أسعار النفط والغاز ما عاد عليها بمئات المليارات، خاصة أنها مارست سيادتها ولم تقبل زيادة الإنتاج لأنها لا تريد أن تقحم نفسها بالصراع، ولكنها ذاتها تعلم أن استمرار ارتفاع أسعار النفط في غير صالحها تماما كما دول العالم. ارتفاع أسعار النفط سيزيد الأسعار ويقلل الطلب وسيبطئ النمو الاقتصادي العالمي، وهذا سينعكس أيضا على الدول المصدرة للطاقة. كما أن ارتفاع أسعار النفط يزيد من الجدوى الاقتصادية لمصادر الطاقة البديلة وهو ما لا تريده دول النفط. هي صاحبة مصلحة أن تبقى أسعار النفط بحدود 70 دولارا حتى يستقر السوق وتبقى سيطرة النفط والغاز حاضرة في سوق الطاقة العالمي .المقال السابق للكاتب
السندات الاميركية والعوائد
*ما هي الاسباب التي دفعت الخزينة الاميركية إلى رفع العوائد على السندات ذات الآجال المتوسطة والطويل
- أصبح ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية طويلة الأجل هاجسا عالميا مثيرا للقلق من المنظور المالي-الاقتصادي الكلي. فمنذ بداية العام، زاد العائد الاسمي على سندات الخزانة المعيارية لأَجَل عشر سنوات بمقدار 70 نقطة أساس تقريبا. ويعكس هذا في جانب منه تحسن آفاق الاقتصاد الأميركي في ظل الدعم القوي من المالية العامة. وبالتالي، فإن الزيادة أمر متوقع. غير أن هناك عوامل أخرى قد تساهم أيضا في هذا الخصوص وتساعد على تفسير الزيادة السريعة في مطلع العام، ومن بينها، على سبيل المثال، قلق المستثمرين بشأن أوضاع المالية العامة وعدم اليقين الذي يكتنف آفاق الاقتصاد والسياسات.
ولأن السندات الأميركية هي الأساس لتسعير الدخل الثابت، كما أنها تؤثر على كل السندات تقريبا في العالم كله، فمن شأن حدوث زيادة سريعة ومستمرة في العائد أن يؤدي إلى إعادة تسعير المخاطر وتشديد الأوضاع المالية على نطاق أوسع، مما يتسبب في اضطراب الأسواق الصاعدة وإرباك التعافي الاقتصادي الجاري.
ثمة عناصر مختلفة يعكسها العائد على سندات الخزانة الأميركية لمدة 10 سنوات. فهناك عائد سندات الخزانة الحقيقي، وهو متغير بديل للنمو الاقتصادي المتوقع؛ ومعدل تعادل التضخم الذي يقيس توقعات المستثمرين للتضخم في المستقبل. وبإضافة العائد الحقيقي إلى تعادل التضخم نصل إلى المعدل الاسمي.
كما أن الزيادة التي حدثت مؤخرا في عائد الخمس سنوات ناتجة عن الارتفاع الحاد في معدل تعادل التضخم على المدى القصير. وتَرافَق ذلك مع ارتفاع في أسعار السلع الأولية، في ظل الزخم المحقق في تعافي الاقتصاد العالمي، وكذلك تأكيد بنك الاحتياطي الفيدرالي على نيته الحفاظ على موقف تيسيري للسياسة النقدية بغية تحقيق أهدافه المتعلقة بالتشغيل الكامل والاستقرار السعري.