الذي يتابع السجال الدائر بين حكومة تصريف الاعمال وجمعية مصارف لبنان حول مشروع اعادة هيكلة المصارف ومشكلة الودائع يكاد يصاب بالهذيان ، خصوصاً بعد إقدام ١١مصرفاً على تقديم مذكرة ربط نزاع مع الدولة اللبنانية تطالبها بتسديد ديونها والتزاماتها الى مصرف لبنان لكي يتمكّن الاخير من تسديد التزاماته الى المصارف اللبنانية، لتتمكّن بدورها من اعادة اموال المودعين".
المذكرة ارتكزت في حيثياتها على ميزانيات مصرف لبنان، وعلى نتائج التدقيق الجنائي الذي أصدرته الفاريز اند مارسال (Alvarez &Marsal)، وعلى التدقيق المحاسبي الذي اصدرته اوليفر وايمن ، بناء على طلب من الدولة اللبنانية. وبعد سرد مفصّل للطريقة التي أدّت الى تجميع الخسائر في مصرف لبنان، من خلال استخدام الدولة للاموال، وهي اموال المودعين التي اودعتها المصارف في مصرف لبنان بارادتها، او بقوة التعاميم والقرارات التي كان يصدرها المركزي وهي مُلزمة للمصارف، لخّصت المصارف المُدّعية مطالبها بمطالبة الدولة بتسديد دينها الى مصرف لبنان والبالغ حوالي 16 مليارا و617 مليون دولار، ومطالبة الدولة بتسديد حوالي 51 مليارا و302 مليون دولار، لتغطية خسائر مصرف لبنان الظاهرة في ميزانيته لسنة 2020 تطبيقا لقانون النقد والتسليف، سيما المادة 113 منه، وتغطية زيادة العجز في مصرف لبنان عن السنتين 2021 و2022، من خلال اتباع طريقة الاحتساب التي اتبعتها الفاريز اند مارسال في تحديد الخسائر حتى العام 2020".
كيف قراء الخبير في المخاطر المصرفية الدكتور محمد فحيلي هذه المذكرة واهدافها واسبابها ، خصوصا بعد ان عرقلة الطبقة السياسية اقرار جميع مشاريع القوانين لحل مشكلة الفجوة المالية في مصرف لبنان ومشكلة القطاع المصرفي والمودعين .
يعتقد الدكتور فحيلي ان "خطوة بعض المصارف وليس جميع المصارف هي خطوة إستباقية بعد ما أخذت حكومة حسان دياب قرارها بالتوقف عن خدمة الدين في 7 آذار 2020 وتجميد العمل في كل مكوّنات القطاع العام ودوائر الدولة، أخذت الأخيرة أيّ الدولة، مبادرة بضغط من الأسرة الدولية، خصوصاً صندوق النقد الدولي ، بإصدار مشروع موازنة لعام 2022 وأقرتها في شهر 11 / 2022، أي لزم ما لم يلزم. الأمر نفسه قامت به الدولة في العام 2023 ولكن بعد تقرير فريق عمل صندوق النقد الدولي تحت المادة الرابعة عن لبنان ، وكان يتضمّن بوضوح كامل لجهة عدم قبوله لتعديلات قانون السرية المصرفية وعدم موافقته على معالجة المالية العامة وطريقة إصدار مشاريع الموازنة التي تفتقد بالحدّ الأدنى للإصلاحات والتوازن.
برأيي " أتى مشروع موازنة 2024 الذي يحترم المهل الدستورية ، ولكن إفتقد للأرقام وأعتبر أنه ضمّ نوعاُ من الجفاصة السياسية في بعض مواد الموازنة، إذ كان هناك طلب من الحكومة السماح لها بإصدار سندات خزينة، وفي مواد أخرى طلب من الحكومة السماح لها بطلب من مصرف لبنان دعم فوائد لبعض القروض التي ستعطيها لدعم بعض القطاعات الإنتاجية في لبنان، الأمر الذي لم يُذكر في موازنات السنوات الثلاث الأخيرة للدين العام وكيفية معالجة الدين العام.
أعتبر أن هذا الموضوع مقلق بالنسبة للمصرفيين وحجم المذكّرة لربط النزاع التي توجّهت لوزارة المالية ليست أكثر من أننا نحن اليوم بحاجة لبصيص أمل من الدولة يهتم بمعالجة الدين العام وجدولته وإعادة هيكلته .
في هذا الإطار، نحن نعلم أن أيّ مشروع يتّسم بالمصداقية لإعادة هيكلة وجدولة الدين وموافقة الصندوق الدولي عليه، سيحسّن من تصنيف لبنان الإئتماني وبالتالي سيُحسّن علاقة بعض المصارف التجارية بالمصارف المراسلة ويخفّض من كلفة تقديم الخدمات المصرفية للمواطن اللبناني، وأعتقد أنه سيكون هناك تداعيات كثيرة ايجابية على القطاع المصرفي في لبنان.
هذا من جهة، أما من جهة إعادة هيكلة المصارف والمشروع الذي يتمّ الحديث عنه، أعتقد أن فيه الكثير من الأخطاء البنيوية وأخطاء بالشكل والمضمون. أرى معظم المهام المنوطة بالهيئة الخاصة لإعادة هيكلة المصارف، أن هناك إزدواجية بينها وبين مهام لجنة الرقابة على المصارف وعمل الرقابة على المصارف، ومهام الهيئة المصرفية العليا إضافة الى ذلك، هناك تعتيم وإنكار كامل للتعميم الأساسي الذي صدر في العام 2020 رقم 154 الذي أعتقد وأؤكّد على أنه الممر الإلزامي لأي مشروع لإعادة هيكلة القطاع المصرفي.
كان باستطاعتهم يضيف فحيلي البدء بما تمّ إنجازه بالتعميم المذكور تماماً كما امتثلت بعض المصارف لأحكام المادة الأولى من التعميم. كان هناك امتثال جزئي من المصارف لأحكام مواد أخرى، وخصوصاً لجهة تأمين 3% من أرصدة الحسابات بالدولار المحلي لدى المصارف المراسلة التي تكون محرّرة من أي التزامات أخرى، وكان هناك إمتثال جزئي لجهة حث كبار المساهمين والمستوردين والزبائن الذي حوّلوا أموال فوق 500 ألف دولار قبل تموز 2017 الى تاريخ اصدار التعميم، ردّ بين 15 الى 30% منها.. وكان هناك توجّه لمصرف لبنان أن تقفل بعض المصارف أي نشاط خارج لبنان والتركيز على تمكين وجودها في لبنان.
انا أعتبر أن تفاصيل التعميم 154 هو حجر أساس لجهة إعادة هيكلة المصارف، ورغم ذلك هو مفقود وغير مذكور على طاولة اللجان وكأن هناك توجّه نحو انتاج هيكلية انتاجية جديدة وعبء هذه الانتاجية ستتحمّله المصارف، ما أراه تفكيراً خاطئاً، مع الإشارة أن مذكّرة المصارف ال 11 الى وزارة المالية لربط النزاع والحركة من دون بركة للجان لا دخل لهم بالواقع.
وقال فحيلي "معطيات مصرف لبنان تقول أن بدء كبار المصارف أي كبار المساهمين بتحويل الأموال الى الخارج في العام 2017 وبالتحديد عندما تزعزع موقع رئيس الحكومة السابق سعد الحريري في لبنان، وبما أن منهم، وبسبب تواصلهم وعلاقاتهم مع السياسيين في لبنان، عرفوا أن ضربة قاضية الى الحريري آتية لا محال ، وفي 4 تشرين الثاني 2017 قدّم سعد الحريري استقالته خلال وجوده في السعودية فبدأت الأموال تتحوّل الى الخارج.
لذلك انا أعتبر أن عملية تحويل الأموال الذي حدثت في العام 2019 تختلف صورتها،عما حصل عام 2017 لان المحوّلين كانوا المودعين الذين لم يكونوا على علم بالوضع المصرفي، لذلك تحويلاتهم كلّفتهم الكثير من الأموال على كل تحويلة الى الخارج، فاستفادت المصارف بمبالغ خيالية، لأنه لم يكن هناك قانون الكابيتال كونترول ومصرف لبنان كان يبارك للمصارف قراراتها، إضافة الى أن بعض المصارف كان لديها سيولة خارجية تسمح لهم مع المصارف المراسلة بهذه التحويلات التي لم يكن لها طابعا سياسيا بل طابع التخفيف من المطلوبات لدى المصارف القادرة على ذلك، وأنا أعتبر العملية هذه هي عملية اختلاس وغياب المناقبية المهنية. لذلك أعتبر أن تعميم 154 هو من افضل ما انتجه رياض سلامة بالإضافة الى تعاميم أخرى مثل 150, 151 و 165.