تخطي إلى المحتوى
مقابلات

نسيب غبريل ل "مجلة 24 " يجب الحفاظ على القطاع المصرفي اللبناني وليس تدميره

   نسيب غبريل ل "مجلة 24 " يجب الحفاظ على القطاع المصرفي اللبناني وليس تدميره

على صوت المولدات الكهربائية والاجواء العسكرية المصطربة في جنوب لبنان والسجالات السياسية التي لا تنتهي بين الطبقة الحاكمة ، نطوي الصفحات الأخيرة من روزنامة العام 2023، ويودع الشعب اللبناني العام الرابع من عمر الأزمة الاقتصادية الأشد فتكا بالناس ومقدراتهم وأموالهم وجنى أعمارهم، والتي لا شك أن فيها شقا سياسيا لا يستهان به لان الطبقة السياسية الحاكمة لاهم لها سوى مصالحها الشخصية ومصالح قوى الممانعة التي فرغت لبنان من كل مقوماته الاقتصادية والمالية وارغمت جيل الشباب على الهجرة ودفعت الاطباء والممرضين والممرضات والمهندسين وخريجي الجامعات للسفر بحثا عن فرص عمل افضل ، نطوي الصفحات الاخيرة من العام 2023 والشغور الرئاسي دخل شهره الرابع عشر من دون التوصل الى انتخاب رئيس جديد يخرج البلاد من الواقع الاليم الذي يعيشه الشعب اللبناني ويعيد الحياة الى المؤسسات الدستورية والى الادارات والمؤسسات والى القضاء حتى تستقيم الامور في كل مكان لوقف التدهور المالي والمعيشي والصحي والاجتماعي والتربوي ولتستعيد الحركة الاقتصادية دورها بعد الاضرار التي لحقت بالعديد من القطاعات الانتاجية

اذ لا يزال لبنان غارقًا في أزمة اجتماعية واقتصادية ومالية كبرى، تفاقمت بسبب الجمود المؤسسي والسياسي. وبالرغم من أن السياحة ساهمت إيجابياً في النمو الاقتصادي خلال هذه السنة، الا انه لا يمكن لقطاع السياحة وحده أن يكون بديلاً عن محركات النمو الأكثر شمولاً واستدامةً وتنوعًا، والتي يمكنها أن تساعد البلاد على تحمل الصدمات بشكل أفضل والمساعدة في إعادة اقتصادها إلى مسار التعافي القوي."

صحيح ان مصرف لبنان شرع في إصلاحات محدودة ولكنها مشجعة، وسط استقرار نسبي في سعر الصرف. مع ذلك، لا يزال يتعين إدخال تغييرات جوهرية على الرقابة المصرفية وإدارة السياسات النقدية وسياسات سعر الصرف من جانب المصرف المركزي. ولا يزال استمرار غياب تسوية منصفة للقطاع المصرفي تشتمل اعتراف الدولة بمسؤوليتها عن الفجوة المالية في مصرف لبنان ,

كيف يمكن ان نقيم الواقع الاقتصادي اللبناني للعام المنصرم في ظل التطورات الحاصلة داخلياً واقليميا ، وما هي التوقعات للعام 2024 ، هذا السؤال طرحته "مجلة 24 "على رئيس دائرة الابحاث والتحليل الاقتصادي في محموعة بنك بيبلوس الدكتور نسيب غبريل الذي استهل حديثه بالقول "بالنسبة لسنة 2023 كنت توقّعت أنها ستكون أول سنة يحقق فيها الاقتصاد اللبناني نموا وكانت توقعاتي أن يكون النمو بنسبة 2 بالمئة % وذلك قبل 7 تشرين الأول (اكتوبر) ولعدة أسباب ، أولها أننا مررنا منذ العام 2017 بمرحلة لم نسجل نموا للاقتصاد اللبناني الذي كان في حالة "انكماش" والعام 2022 سجل "صفر" نمو ، وبعد فترة طويلة من الانكماش أو عدم النمو لا بد للاقتصاد أن يحقق نموا ايجابيا.
واعتبر غبريل ان السبب الثاني للنمو الذي تحقق في العام 2023 هو الأداء المميز للقطاع السياحي اللبناني الذي ساهم بالحركة الاقتصادية مع الإشارة إلى أن هناك 14 قطاع يستفيد بشكل مباشر من تحسن الحركة السياحية .

ويضيف غبريل : تشير أخر الأرقام إلى دخول 3 ملايين و600 ألف زائر وسائح إلى لبنان في أول 9 أشهر من العام 2023 وهذا ما شكل ارتفاعا بنسبة 26% عن أول 9 أشهر من العام 2022 ،واضافة الى مساهمة القطاع السياحي بفعالية بالاقتصاد اللبناني في العام 2023 هناك ايضا قطاعات أخرى ساهمت بالحركة الاقتصادية وانتعاش الاقتصاد لأسيما ان القطاع الخاص تمكّن من استيعاب صدمة الأزمة المالية والاقتصادية والنقدية وتأقلم مع الوضع وتحول الى اقتصاد نقدي ومدولر مما ساعد على انتعاش الاقتصاد ،ومن القطاعات التي ساهمت ايضاً في انتعاش الحركة الاقتصادية قطاع تكنولوجيا المعلومات الذي يصدر خدماته الى الخارج وتوجد له اسواق في الخارج وهو بالتالي يدّخل العملات الأجنبية إلى لبنان وأيضا قطاعيّ الزراعة والصناعة خاصة لناحية تصدير المنتجات الصناعية واستبدال بعض المنتجات المستوردة بمنتجات مصنعة محليا .

واشار غبريل الى عامل إضافي أيضا ساهم في انتعاش الحركة الاقتصادية هو "استقرار سعر الصرف" فبعد تدهوالليرة في بداية العام 2023 من 43 ألف ليرة في أخر 2022 إلى 141 ألف ليرة في 21 آذار 2023 تدخل مصرف لبنان من خلال منصة صيرفة واستطاع ان يسحب من السوق نحو 22 تريليون ليرة وأن يضخ دولارات في السوق من خلال هذه المنصة ، وهذا ما أدى إلى تحسن سعر صرف الليرة اللبنانية في السوق منذ أخر أسبوع من شهر آذار 2023 ثم استقر سعر صرف الليرة على 89 ألف و500 ليرة للدولار الواحد في أواخر تموز ة ولايزال مستقرا حتى الآن ، وهذا كان مطلب القطاع الخاص الذي طالب بضرورة استقرار سعر الصرف حتى تتمكن الشركات والمؤسسات من التخطيط أقله على المدى القريب والمتوسط .
وتابع غبريل "لعبت تحويلات المغتربين أيضا دورا أساسيا في انتعاش الاقتصاد بعدما بلغت 6 مليارات و400 مليون دولار في العام 2023 وهو نفس مستوى 2022 وهذه التحويلات تساهم في دعم الأسر والعائلات اللبنانية لتأمين حاجاتها اليومية والاستهلاكية ، كما ان تحسين الرواتب في القطاع الخاص ودفع قسما منها بالدولار مع استمرار تحويلات المغتربين ساهم في زيادة نسبة الاستهلاك في لبنان فازداد الطلب والحركة الاقتصادية.
واكد غبريل ان الاغتراب شكل عاملا أساسيا فمن أصل 3 ملايين و600 ألف زائر وسائح دخلوا لبنان في أول 9 أشهر من سنة 2023 شكل المغتربون 61% منهم ومن خلال تحويلات المغتربين ونفقاتهم السياحية في لبنان يلعب المغتربون دورا حيويا في انتعاش الاقتصاد اللبناني وفي العام 2022 كانت الايرادات السياحية المباشرة 5 مليارات و300 مليون دولار وأتوقّع أن تتخطى هذه الايرادات في العام 2023 ال 5 مليارات و300 مليون دولار بالرغم من التداعيات السلبية على الحركة السياحية بعد 7 تشرين الأول ، فقبل هذا التاريخ كان من المتوقع استمرار الموسم السياحي الذي لا يقتصر فقط على أشهر الصيف والذي كان قد بدأ منذ بداية العام وشكل استكمالا لموسم مميز في العام 2022 وكان متوقعا أن يستمر حتى أخر 3 أشهر من السنة الحالية وليس فقط في أخر شهر من السنة ولكن 7 تشرين والحرب على غزة والاعتداءات الاسرائيلية على جنوب لبنان غيّرت المشهد كليا واحدث "صدمة للثقة " وتراجع في الحركة السياحية إضافة الى جمود في الوضع الاقتصادي خاصة في الفترة الأولى ولكن بعد أن تبيّن أن المواجهات تقتصر على الجنوب ، وأنا هنا لا أقلل من أهمية الجنوب وأنا من الجنوب ،قرر المغتربون الذين كانوا يتريثون في البداية ،اصروا غلى القدوم الى لبنان خلال فترة الأعياد وبحسب تقديري 50 بالمئة من المغتربين الذي كان يريدون تمضية عيدي الميلاد ورأس السنة في لبنان قد أتوا ونحن نشهد حركة واضحة للمغتربين وهي حركة تدعم الاستهلاك والاقتصاد وإن لفترة قصيرة على مدى أسبوعين ولكن علينا مقارنتها مع ما كان متوقعا لأن الصورة كانت سوداوية جدا بعد 7 تشرين وقيل أنه لن يكون احتفالات بالميلاد ورأس السنة في لبنان ولن يأتي المغتربون ولن يكون هناك أي جو اقتصادي ايجابي خلال الاعياد ولكن على العكس رأينا ما يحصل الآن من حركة ناشطة .

اما بالنسبة لتوقعاتي للعام 2024 كما ذكرت ان نسبة النمو كانت 2 % عام 2023 ولكن سوف تتراجع هذه التوقعات مع الفرص الضائعة والخسائر الاقتصادية والمادية خصوصا في الجنوب ، ولكن بالنسبة لي سوف تبقى نسبة النمو ايجابية في العام 2024 ومن المبكر اعطاء رقم محدد ونسبة محددة.
الشق الآخر هو التطورات في مصرف لبنان ، على الرغم من كل التهويل حول ما سيحدث في مصرف لبنان بعد انتهاء ولاية الحاكم (رياض سلامة )في أخر تموزالماضي والاقتراحات التي قدمت حول قيام الحكومة بتعيين حاكم أصيل مع العلم أنه ليس لديها الحق في غياب رئيس الجمهورية أو أن يعيين حارس قضائي أو مدير اداري مؤقت وغيرها من الاقتراحات الأخرى ... وهي غير عملية وبالنتيجة تم تطبيق القانون واستلم النائب الأول لحاكم مصرف لبنان سدة الحاكمية مع كامل صلاحيات الحاكم وبالتالي مصرف لبنان اتخذ قرارات أولها عدم الاستمرار في تمويل عجز الموازنة وعدم المس بالاحتياطي لدى مصرف لبنان بالعملات الأجنبية إلاّ في حالات محددة وهذا ساعد الاقتصاد كثيراً ، كما طالب مصرف لبنان السلطات باقرار مشاريع قوانين اصلاحية تدعم استقرار سعر الصرف مثل الكابيتال كونترول والموازنات العامة ومشروع قانون إعادة التوازن إلى القطاع المالي ولكن بسبب الوضع السياسي لم يقر مجلس النواب مشاريع القوانين هذه ، وأعلن مصرف لبنان عن مشروع اطلاق منصة جديدة هدفها أن يصبح العرض والطلب هو ما يحدد بشفافية سعر صرف الدولار في السوق الموازية وكان مقررا أن تطلق هذه المنصة بالتعاون مع منصة بلومبرغ ولكن تأجل هذا الموضوع بسبب الحرب على غزة والعدوان الاسرائيلي على جنوب لبنان لأن هناك حاجة الى جو ثقة واستقرار لإطلاق مثل هذه المنصة، والحكومة قدمت أيضا موازنة 2024 وهدفها الأساسي كي لا نقول الوحيد زيادة الايرادات من أجل تمويل زيادة رواتب وأجور عمال وموظفي القطاع العام وبالتالي تضمنت هذه الموازنة "جبل " من الضرائب والرسوم الجديدة واستهدفت بالتحديد القطاع السياحي والقطاع الصناعي لأن اداء هذان القطاعان كان جيدا هذا العام ولكن لجنة المال والموازنة عدّلت عدة مواد من مشروع الموازنة ونحن بانتظار ما سيحدث في العام 2024 وهل ستقرالموازنة بمرسوم ؟
لأنها تقدمت ضمن المهلة الدستورية اي الحكومة قادرة على اقرار الموازنة بمرسوم في حال لم يصوت عليها المجلس النيابي قبل نهاية كانون الثاني من العام المقبل 2024 ونحن بانتظار ما سيحدث في 2024 بهذا الخصوص.
ويضيف غبريل "لقد استطاعت السلطات النقدية أن تجنب البلد بوضع لبنان على لائحة المراقبة من قبل مجموعة العمل الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب وتبييض الأموال ....
أما بالنسبة للقطاع المصرفي فهو بانتظار الاجراءات الاصلاحية المتعلقة بإعادة هيكلة القطاع وإعادة العمل إلى القطاع المصرفي والهدف من هذه القوانين يجب أن يكون الحفاظ على القطاع المصرفي وليس الاطاحة به من خلال وضع شروط تعجزية لاستمرارية المصارف بعد الهيكلة...
وأيضا لم تتم الاستجابة لصرخات المودعين لتحصيل ودائعهم وهناك ثلاثة أسئلة لم تتم الاجابة عنها في العام 2023 وهي :
ما هو مصير الودائع ؟ من خلال أية طريقة سوف يستعيد المودع ودائعه ؟ وخلال أي مهلة زمنية يستطيع استخدام ودائعه ؟
ونحن بانتظار الأجوبة الصريحة والمفصلة والشفافة عن هذه الاسئلة الثلاثة التي ستعيد الثقة إلى الاقتصاد وليس فقط الى القطاع المصرفي .
ويبقى إعادة الثقة الى لبنان ككل وهي ليست بالإجراءات التقنية فقط بل بتطبيق الدستور ،الالتزام بالمهل الدستورية، فصل السلطات ،احترام استقلالية القضاء ودعم قدراته ، مكافحة التهرب الضريبي والجمركي ، تطبيق قوانين موجودة ولكنها لا تطبق ومكافحة التهريب عبر الحدود بالاتجاهين .