تبدو فكرة الطب الوقائي للكثيرين أحلاماً أفلاطونية دون الواقع ورؤية بعيدة المنال وتكلفة غير مبررة على ذوي الدخول المتواضعة، ولكن تجربة الطب الوقائي في البلدان المتقدمة أثبتت فاعليتها في رفع المستوى الصحي للأفراد والتقليل من الفاتورة الصحية التي يتحملها الفرد والحد من العجز المالي لموازنات وزارة الصحة بشكل كبير وبالتالي فإن الطب الوقائي مجال حيوي وهام على المستويين الصحي والاقتصادي معاً.
"مجلة24" استضافت د. ليلى لحود، الاختصاصية في علم الأمراض والطب الوقائي، لتُلقي الضوء على ملف الإصابة بحالة "التوهج الالتهابية" وكيفية التخلص منها، كما سر ساعة الإلتهاب في جسم الإنسان والوقاية منه..
* التعريف بحالة التوهّج الإلتهابية والفرق بينها وبين الإلتهاب؟
- أعتبر أن هناك فرقاً بين كلمتي Infection و Inflammation أي الإلتهاب والعدوى.. فالأولى هي عبارة عن إجتياح كائنات حيّة إمراضية لجسم الإنسان وتكاثرها فيه كما إحداث أعراض مرضية ضمنه.
أما الثانية أي Inflammation فهي استجابة نسيجية ضد مسبّبات العدوى وتلف الأنسجة حيث يحدث فيها خروج لخلايا وجزيئات من الدورة الدموية كأن تخوض كريات الدم البيضاء قتالاً لحمايتنا من العوامل الإنتانية كالبكتيريا والفيروسات. أما الجدير بالذكر، هو أن جهاز المناعة هو المسؤول عن الإلتهاب، مما يؤدي الى ردّة فعل منه تجاهه، وهذا أمر طبيعي..
* متى يكون الإلتهاب غير طبيعي؟
- عندما يعمل جهاز المناعة ردّة فعل لا لزوم لها أو زيادة عن اللزوم (Over) ، يكون الألتهاب غير طبيعي. في الحالتين، الطبيعي وغير الطبيعي، تكون النتيجة إصابة بعامل الشيخوخة، كما الأمراض مثل السرطان، الألزهايمر، السكري، أمراض القلب والشرايين وغيرها....
* إذاً سبب أمراض الإنسان هي حالة التوهّج الإلتهابية؟
- نعم، فبعد عمر الخمسين، تبدأ الأمراض بالظهور في جسم الإنسان. طبعاً لا أتكلم هنا عن الحالات الإستثنائية. لقد أظهرت الدراسات أن خلايا جسم الإنسان تشيخ بعد الخمسين وبالتالي تتكوّن حالة توهّج إلتهابي بسبب خلايا ميتة يلتهي بها جهاز المناعة (بسبب تراكمات الأمور في الجسم الذي يشيخ) عن محاربة التعب في الذهن (ألزهايمر) مثلا، كما محاربة المناعة الذاتية، الخلايا السرطانية وغيرها ...المهم هنا أن يبقى جهاز المناعة فعّال لمحاربة أمراضنا وللأمور الأساسية في الجسم، لكن لسوء الحظ، وبسبب التقدّم في العمر، فحتى الحمض النووي DNA في الخلايا يتأثر وأجزاء الخلايا تصبح الأساس في ردّة الفعل عند جهاز المناعة في حين كان عليه أن يهتم بمشاكل الجسم الأخرى التي كان يهتم بها قبل الخمسين كالتأكسد والجراثيم التي تفتك بالجسم.
* نسمع عن ساعة الإلتهاب.. هل فعلا موجودة وهي حقيقة علمية؟
- طبعا موجودة وهذا أمر مخيف. أعتبر أن ساعة الإلتهاب هو العمر البيولوجي للخلية، أما التيلومير Telomere الموجود على أطراف الكروموزومات، وهو العمر البيولوجي للخلية والذي يَقصر مع العمر، فوظيفته تحديد ساعة الشيخوخة وساعة المرض، أو الساعة التي تستنزف الخلية طاقتها ونحن كأطباء نستطيع قياس عمره.
* كيف تفحصون طول التيليمير؟
- وظيفة التيلومير حقيقةً تتمثل في الحفاظ على انقسام الخلية و صيانتها، ونحن كأطباء نعمل على تحديد العمر البيولوجي للجسم باستخدام TELOTEST( تقنية PCR) الذي يوفّر التحليل الجيني للجسم والذي يعطينا معلومات دقيقة حول طول تيلوميرات داخله، مما يسمح لنا بتقدير العمر البيولوجي والإمكانات الوراثية لخلاياه واتخاذ الإجراءات اللازمة لتحسين صحته وعافيته لحياة أفضل وأطول.
الأمر الإيجابي هنا أنه أصبح بإمكاننا إبطاء وتيرة عملية تقصير عمر التيلومير. دقيقة جداً عملية التحكم في جهاز المناعة، إذ أن خلال تخلصه من الخلايا الميتة في الجسم نخاف أن يتخلص من الخلايا التي نحن بحاجة اليها .. ولا نريد أن يتعرّض الجسم الى أمراض مناعة ذاتية أو أمراض سرطانية لذلك من المهم أن نعلم أية علاجات علينا أن نخضع وأن يكون لدينا تجارب سريرية مع نتائج آمنة لنعطيها للبشر لتطويل عمرهم.
*ما هي علامات الحالة الإلتهابية التوهجية في الجسم؟
- بواسطة فحص الدم نستطيع إكتشاف الإلتهاب التوهجي عبر المواد الكيميائية المرتفعة في الجسم الذي يكون أحياناً من دون أي عوارض تذكر. أما العوارض الظاهرة للإلتهاب المذكور فهي: أوجاع الظهر والمفاصل والرأس، تعب متواصل، فقدان الشعر، حساسية على أنواعها... أما في الحالات المتقدّمة وفي حال تطور الالتهاب وفي حال الأشخاص الذين لا يتبعون نظام غذائي أو حياتهم خالية من التمارين الرياضية، فتؤدي الى السرطان، التهابات في المفاصل المزمنة والى الخرف أيضاً.
* هل تتفاوت صحة وطول عمر التيلومير بين شخص وآخر؟
- هناك أشخاص محميين جينياً، نسبة االى نمط حياتهم، أيّ عملية التفاعل بين الجينات ونمط الحياة كالرياضة، النظام الغذائي، التوتر.. إذا نحن نستطيع أن نساعد الجينات الإيجابية على فرز بروتيناتها في الجسم، ونمنع الجينات السلبية فرز بروتيناتها العاطلة فيه.
* هل نعرف أي جينات أفضل من غيرها؟
- أعتبر أن أيّ جينات لديها الوقع الأكبر والأخطر من غيرها على مرض معيّن يعاني منه المريض، نسارع على التركيز على الحالة والمحافظة على الجينات بشكل مركّز.
* ما هي نصائحك لكي نحارب الحالة الالتهابية بأقل ضرر؟
- الأهم في الموضوع هو إتباع ال Anti inflammatory deitأي النظام الغذائي الذي يحارب التوهّج الإلتهابي المؤلف من الحبوب الكاملة، الخضار الطازجة، المواد غير المصنعة، الإبتعاد عن المواد الكيميائية. أما الرياضة فسيف ذو حدّين في الموضوع: مهمة جدا طبعا، الا ان التمارين القاسية أو ساعات التمارين الطويلة فتسبّب الإلتهابات..