تخطي إلى المحتوى
تحليل

لبنان ... الحلم الذي لم يتحقق يوماً

لبنان ... الحلم الذي لم يتحقق يوماً

مع إقتراب موعد إنتهاء الإستعمار الفرنسي للبنان إتفق اللبنانيون بمختلف طوائفهم عام 1943، على ما يطلق عليه "الميثاق الوطني" الذي نظم أسس الحكم في لبنان. حل بشارة الخوري كأول رئيس للجمهورية اللبنانية فيما حل رياض الصلح كأول رئيس لحكومة لبنانية تشكلت بعد استقلال البلاد عن فرنسا عام 1943، وقد لعبا دوراً رئيسياً مهماً في الوصول إلى هذا الاتفاق غير المكتوب.

وعن مضمون الإتفاق، قال بشارة الخوري "وما الميثاق الوطني سوى إتفاق العنصرين اللذين يتألف منهما الوطن اللبناني على إنصهار نزعاتهما في عقيدة واحدة: إستقلال لبنان التام الناجز من دون الإلتجاء إلى حماية من الغرب، ولا إلى وحدة أو اتحاد مع الشرق". وبموجب ذلك، توافق اللبنانيون بشكل عرفي على توزيع السلطة بحيث ينال المسيحيون الموارنة رئاسة الجمهورية، ويحصل المسلمون الشيعة على رئاسة البرلمان، والمسلمون السنة على رئاسة الوزراء، وينتخب النواب رئيس الجمهورية بموجب النظام البرلماني الديمقراطي الذي سيعتمد في الدستور. يحكم لبنان نظام سياسي يعتبرها جمهورية ديمقراطية برلمانية تقوم على إحترام الحريات العامة، وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد كما جاء في مقدمة الدستور. وتتميز البلاد باعتماد النظام الإقتصادي الحر الذي يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة. ثم عدل هذا النظام في المؤتمر الذي عقد في الطائف في السعودية عام 1990 وأقر بعدها التعديل ليصبح دستوراً جديداً للبنان إعتباراً من العام 1991.

بقيت التعديلات التي أقرت بعد الطائف أو بمعظمها حبراً على ورق وبدأت عملية التجاذب والتقاعس في التطبيق تنال من تطبيق الدستور مقتلاً حتى أصبح اليوم النظام اللبناني يسير وفق أعراف وبدع ليس منها مما ورد في الدستور ولا هي أقرب الى القوانين والتشريعات.

ما زال الدستور اللبناني بنسختيه الاولى والثانية يضمن مبدأ حرية الرأي والمعتقد وإحترام الحريات العامة التي إذا أردنا ترجمتها موضوعياً فهذا يعني أن علاقة المواطن بالدولة هي علاقة مدنية تخضع لما ينص عليه الدستور والقوانين الوضعية المدنية.

لقد ذكر أيضاً في الدستور أن الشعب هو مصدر السلطات وأن الشعب يبقى مسؤولاً عن خياراته في الإنتخابات التي تحصل في لبنان سواءً مباشرةً أو بطريقة الوكالة الإنتخابية والتفويض. في المقلب الآخر هذه الآلية تتطلب إعتماد مبدأ المحاسبة وسحب الوكالة في حال تصرف المسؤول المنتخب بطريقة لا تتطابق مع روحية الدستور والقوانين. وقد نص الدستور أيضاً على الإستحقاقات

الدستورية وآليات الإنتخاب ومواعيدها التي أصبحت اليوم في لبنان معضلةً مستحيلة بحيث أصبحت الإستحقاقات الدستورية والإنتخابات حلم يتمناه المواطن اللبناني كل 50 سنة أو ربما أكثر.

لقد بات واضحاً وضوح الشمس ان الأحزاب السلطوية المتحكمة بالحياة الدستورية في لبنان لا يمكن ان تسمح لأي إستحقاق دستوري وإنتخابي أن يحصل إلا إذا كانت قادرة على التحكم والسيطرة على قانون الإنتخاب وبالتالي تعطيل أي مفاعيل ممكنة لأية إنتخابات على كافة الصعد.

هنا لا بد من الإشارة الى أنه في حال أراد الشعب اللبناني البدء بعملية الإصلاح لإستعادة الدولة يتوجب على اللبنانيين كافةً بكافة توزيعاتهم ومعتقداتهم العودة للأسس السليمة ألا وهي فرض إستعادة الآليات الدستورية مواعيدها وحصول أي إنتخابات في وقتها مع ضرورة إصلاح القوانين الإنتخابية وإخراجها من دائرة سيطرة النافذين من أحزاب الطوائف وسلطات الأمر الواقع المليشيوية.

لسنا هنا في معرض شرح التعديلات المطلوبة على قوانين الإنتخابات بكافة أنواعها ولكن الأهم إخراج هذه القوانين من سيطرة مليشيات السلطة من خلال الإلتزام بإجراء أية إنتخابات في موعدها وضمان حرية الفرد في الإنتخاب وممارسة المحاسبة لاحقاً من خلال فرض ثلاثة شروط قطعية .

اولاً : منع التعليب والتلاعب بالحريات الفردية من خلال منتع التحايل والتلاعب تحت الطاولة.

ثانياً : وضع عقوبة جزائية كبيرة على إستعمال المال الإنتخابي والسياسي بشكل كامل وليس وفق سقوف أو مسموحات تحت أية مسمات.

ثالثاً : إعتماد التصويت الإلكتروني المفتوح لأي مواطن لبناني من أي مكان في لبنان أو الخارج بعد تنظيم جديد للشعب اللبناني يعتمد الرقم الوطني الموحد.

لطالما تغنى الشعب اللبناني بأهمية وقيمة مضمون الدستور اللبناني ولكن يبدو أنه نسي أن الدساتير كي تطبق بحاجة لشعوب ليطبق عليها ما ورد فيها.

حتى ذلك الوقت المنتظر سيبقى لبنان رهينة أحزاب الطوائف ومليشياتها المذهبية ورهينة التحايل والتلاعب الذي أطاح بمضمون الدساتير ودمر لبنان دولةً وشعباً مؤسسات .