يجمع المُتابعون لمجريات الأحداث والجدل القائم حالياً في الولايات المتحدة على أنّ مستقبل اميركا الديمقراطية قد أضحى على المِحك: فإما تستمر الديمقراطية مع إنتخاب نائبة الرئيس الحالية ومرشحة الحزب الديمقراطي، كاميلا هاريس، وإما تنضمُّ اميركا إلى الصفوف الأمامية من ديكتاتوريات العالم فتصبح مثل كوريا الشمالية في حال تم إنتخاب الرئيس السابق ومرشح الحزب الجمهوري، دونالد ترامب.
المؤشرات كلها تدل على أن المرشح الجمهوري ترامب ومن خلفه من مؤيدي حزب المحافظين والمتطرفين في الحزب المذكور، لا سيّما في "مؤسسة هيريتيدج" ، قد دأبوا منذ فترة إلى إعداد العدّة المناسبة للإنقضاض على جميع مكوّنات الدولة الديمقراطية، لاسيما الإقتصادية منها، وتحضيراً لذلك، دأُب عددٌ لا يستهان به من مساعدي ترامب في الإدارة السابقة، إلى وضع اللمسات الأخيرة لخطة الإنتقال المرحلي وأطلقوا عليها تسمية "مشروع ٢٠٢٥" أو بالإنجليزية "Project 2025."
هذا المشروع يتألف من حوالي الألف صفحة ويتناول كافة مكنونات القوانين التي تعنى بكافة أوجه حياة الأميركيين الاجتماعية، القانونية، الاقتصادية، الإعلامية، السياسية، وغيرها… إنها نهاية دور مؤسسات الدولة وإلغاء مفاعيل كافة القوانين المتخذة سابقا، سيما المتعلقة بمهام الرئيس والتي من شأنها أن تحوّله إلى ديكتاتورٍ متسلّط تماماً كما هي الحال في كوريا الشمالية.
ألم يتغنى ترامب يوماً بالزعيم كيم يونغ؟
"مشروع ٢٠٢٥" هو كناية عن مجموعة من التوصيات لسياسات "إدارة فعّالة للمحافظين،" ومقترحات للانقلاب على الحكومة الفدرالية. ومن أهم تلك المقترحات:
١-الحد من برامج التغذية لذوي الدخل المحدود، ما من شأنه أن يعرّض شريحة كبيرة من الشعب الأميركي إلى مخاطر سؤ التغذية.
٢-المشروع يدعو وزارة التعليم إلى اقتطاع أجزاء كبيرة من البرامج الفدرالية التي تعنى بتخفيضات قروض الطلاّب، وإعفاء القروض الدراسية. ويرى عدد كبير من المحللين الاقتصاديين هنا، أنه في حال اعتمد ترامب هذه التوصية، فإنّ ذلك سيؤدي حتما إلى حالٍ من الفوضى في الاستقرار الاقتصادي لملايين من الطلاب الحاصلينَ على قروضٍ للدراسة، ولعائلاتهم أيضاً.
٣-يقترحُ المشروع نظاماً ضريبياً فردياً بسيطاً معدلين، بنسبة ١٥٪ و٣٠٪. وسوف يتم تطبيق المعدّل الأخير على أساس قاعدة أجور الضمان الاجتماعي، والتي تبلغ ١٦٨.٦٠٠ دولار أمريكي لعام ٢٠٢٤.
وفي هذا السياق، لا بدّ من الإشارة إلى ان تقرير الأمناء السنوي في أيار المنصرم، كان قد أظهر أن صندوق الضمان الاجتماعي قد ينضب في العام ٢٠٣٥، ما قد يؤدي إلى خفض المزايا بنسبة ٢٠٪ على الأقل ما لم يتّخذ الكونغرس الإجراءات اللازمة للحؤول دون ذلك، الأمر الذي قد يحصل في حال تم إنتخاب ترامب واستيلاء الجمهوريين على غالبية المقاعد في الكونغرس.
٤-تغيرات في الشريحة الضريبية واقتطاع الفائدة لمستثمري الدخل المرتفع.
٥-إلغاء الحسومات والائتمانات والاستثناءات، بما فيها الإعفاءات الضريبية للضرائب المحلية وفي الولايات وفي مجال التعليم.
هذا يبقى ملخصاً عما ينتظر الولايات المتحدة الأميركية إقتصاديا في حال فاز ترامب ومن ورائه من حزب المحافظين. ولقد أظهر التقرير الجديد الذي صدر أخيرا عن "شركة أليانز للأبحاث" حول كيفية تطوّر التضخم في ظل رئاسة ثانية لترامب، فأشار إلى أنه في حين قد تؤدي بعض السياسات إلى زيادة التضخم في الأمد القريب، إلا أنّ مسار التضخم الإجمالي سوف يتشكّل من خلال عواملَ مثل إجراءات بنك الاحتياطي الفيدرالي والظروف الاقتصادية الأوسع. بمعنى آخر، إن فوز دونالد ترامب بولاية ثانية قد يؤثر بشكل كوارثي على مسار التضخم العام وخصوصا لجهة فرضِ رسومٍ جمركية أعلى وأعجز، وتأتي ترجمةً لسياساتِ "المشروع ٢٠٢٥"، وذلك يعني حتما زيادة كبيرة في التضخم.
بعد ما تقدّم، يبقى القول إن معركة الرئاسة الأميركية ٢٠٢٤، هي معركة كسر عظام بإمتياز. فأي اميركا ستطل برأسها على العالم في السادس من تشرين الثاني المقبل: اميركا الديمقراطية أم الجمهورية الديكتاتورية؟