تخطي إلى المحتوى
تحليل

قصة إبريق «الفيول» اللبناني وزيت أحزاب المذاهب الكهربائية

قصة إبريق «الفيول» اللبناني وزيت أحزاب المذاهب الكهربائية

تشبه قصة الفساد السياسي والمالي والسرقة المزمنة للفيول في لبنان، قصة "إبريق الزيت"، تستعيدها وتكررها السلطة المتسلطة الحاكمة بلا خجل، بكل أشكالها وألوانها السياسية والمذهبية، نصرة لجيوبها ولتمويل جماعاتها،حتى وإن أغرقت اللبنانيين بالمزيد من العتمة، وآخر فصولها الناقصة والفاقعة، هو هضم أموال صفقة الفيول من العراق، ومحاولة إستكمال مسلسل السرقات من صفقات الفيول حتى ولو كان مصدره الهبة الجزائرية الجديدة.

لا يحتاج الأمر الى كثير من الشك والحيرة، فالسلطات اللبنانية المتعاقبة والمؤلفة تحت عنوان الديمقراطية التوافقية (أي توافق الأحزاب الطائفية) لم تلتزم بدفع البدل للدولة العراقية، على رغم الزيادات الكبيرة التي اضيفت على رسم الكهرباء بشكل تجاري وفوضوضي بحت، ليظهر ان موارد شركة كهرباء لبنان لم تزل في حالة عجز، ومن المؤكد ان ما حصل من رفع لقيمة التعرفة لن يأتي بحل، طالما ان المافيا السياسية هي من يدير ملف الكهرباء من الطوائف السياسية والأحزاب المذهبية.

كل ذلك هو من تعقيدات المافيا المفتعلة، لأن مزراب السرقة والهدر يجب ان لا يتوقف عن العمل.؟ فمنذ العام 2004 ترسخت منظومة قوية في هذا القطاع، هدفها الأول توفير موارد مالية غير مشروعة لاحزاب المنظومة وزعاماتها، منذ الصفقات الأولى للفيول التي إتهمت فيها شركة سوناطراك الجزائرية والتي كشفتها الأخيرة وعاقبت المسؤولين عنها في الجزائر، فيما لم يحاسب احد في لبنان.

ولاستعادة هذه القضية، لا بد من نقل ما قاله المدير التنفيذي للشركة المسؤولة عن تشغيل معملي الزوق والجية السيد يحي مولود الذي روى كيف كان يُبادر لفحص أي فيول قبل استخدامه في معامل الكهرباء حرصًا على عدم إتلاف المحرّكات. يقول مولود: “تعاقدنا مع مؤسسة كهرباء لبنان في العام 2017 لتشغيل معملي الذوق والجية الّلذين أُنشئا عام 2016، ولم نكن مسؤولين عن الفيول الذي نستلمه لتشغيله إذ أنّها مسؤولية محصورة بوزارة الطاقة التي تُلزم شركات لاستيراد الفيول لمعامل إنتاج الكهرباء التابعة لمؤسسة كهرباء لبنان”. ويُضيف: “نتيجة خبرتي في مجال الفيول كنت أُبادر لفحص عيّنات من الفيول من كل شحنة تصلنا في مختبرات في دبي”. وعليه “فحصنا جميع الشحنات التي استلمناها. ومع بداية العام 2019 لاحظنا تدهور نوعية الفيول التي نستلمها”. ويشرح أنّ إحدى البواخر التي استلمناها في أوائل العام 2019، أظهرت فحوصاتها أنّها مطابقة للمواصفات لكن مع التشغيل واجهنا مشاكل معها فذهبنا إلى إجراء فحص أدقّ ويحتاج لنحو عشرين يومًا لتصدر نتيجته”. ويتابع: “تواصلنا مع الشركة الألمانية المصنّعة للمحرّكات وطلبنا منها إجراء فحوصات على العيّنات”. وهنا حصلت المفاجأة بعد صدور نتائج الفحوصات إذ بيّنت أنّ الفيول يحتوي على نفايات كيميائية وظهر أنّه “متعدد المصادر ليس كما كنّا نعتقد أنّه من مصفاة نفط

خاصّة بالشركة المورّدة للفيول وهي سوناطراك التي من المفترض أن تستورد الفيول من مصدر واحد”.

ويلفت مولود إلى أنّ إصراره دفعه إلى إثبات وجهة نظره أمام مؤسسة كهرباء لبنان ووزارة الطاقة عبر التواصل مع الشركة الألمانية المصنّعة للمحرّكات والطلب منها إرسال خبير إلى لبنان ليكشف على المحرّكات. ويتابع مولود: “الخبير حين رأى النفايات الناتجة عن الفيول وحدد أنّ الفيول ملوّث وغير صالح للاستعمال، قامت الشركة بفحص العيّنات بطريقة دقيقة واتخذت الفحوصات نحو ثلاثة أسابيع لصدور نتيجتها”.

في شباط 2020 “وصلت باخرة Baltic المحمّلة بالفيول وحين استلمناه قمنا بفحصه وتبيّن وجود ترسبات نفطية عالية بقيمة 4.6 ما يمنع استخدامه بينما المستوى المسموح به يجب ألّا يتعدّى 0.1”. هنا تواصل مولود مع وزارة الطاقة التي ردّت عليه بأنّ ذلك غير صحيح كون الشركة التي استوردت الفيول سلّمتها فحوصات تُفيد بأنّ الترسّبات لا تتعدّى 0.1. لذا، أرسل مولود التقرير الذي بحوزته لوزارة الطاقة، وفي المقابل رفض استلام الفيول.

في الوقت الذي كان مولود يواجه برفض وزيرة الطاقة آنذاك ندى بستاني تصديقه والتجاوب معه حسب ما أدلى ، يفاجأ لاحقًا أنّ المعلومات التي سلّمها لوزارة الطاقة بخصوص باخرة Baltic يومها بخصوص الفيول المغشوش قد أصبحت موضع إخبار لدى النيابة العامّة التمييزية قدّمه أحد المحامين المدعو وديع عقل. ويلفت مولود إلى أنّ الإخبار شمل فقط شحنة Baltic ولم يتطرّق إلى الشحنات التي سبقت هذه الشحنة والتي أعلم مولود وزارة الطاقة بها وكأن الهدف كان طوي صفحة الصفقات السابقة وعدم إثارة موضوعها.لاحقًا استدعى فرع المعلومات مولود، واستمع إلى إفادته وسلّمهم الأخير جميع المستندات التي بحوزته والتي تُثبت استلام الفيول المغشوش ولاحقًا قدّم هذه المعلومات لدى القاضية عون وقاضي التحقيق نقولا منصور. وتوالت الاعترافات التي قدّمها موظفون ومدراء عامّون لدى منشآت النفط بتقاضي الرشى والهدايا، وتزوير مستندات وفحوصات مخبرية وظهرت هذه الاعترافات في القرار الظنّي الذي أصدره القاضي منصور.

لم تكن هذه القضية ضدّ شركات الأخوين رحمة فقط، إذ أنّ الشبهات كانت محصورة بشركة “سوناطراك”. إلّا أنّه مع التدقيق، ظهرت العلاقة بين الاثنين. فمع انكشاف هذه القضية وفضح عمليات الفساد، والكشف عن وجود عقد سرّي موقع بين وزارة الطاقة وشركات موازية لسوناطراك ظهرت مشاكل الصفقات والتنفيذ .

وأكدّ مولود أنّه تقدّم بإخبار لدى النيابة العامّة التمييزية بخصوص موضوع العقد، “واكتشفنا خلال تلك المرحلة أنّ شركة سوناطراك ليست هي الشركة الجزائرية إنّما هي شركة مسجّلة في جزر العذراء وهي موضوع ملاحقة من قبل القضاء الجزائري”. ويلفت مولود إلى أنّ هذه الشركة تعاقدت أكثر من مرّة مع الأخوين رحمة، وأظهرت التحقيقات وجود علاقة وطيدة بين “سوناطراك وشركة ZR

Energy التابعة للأخوين رحمة والفيول المغشوش”. ويلفت مولود إلى أنّ شُحنة رابعة كُشفت من خلال الباخرة التابعة للشركة التركية “كارادينيز” التي أتت بفيول إلى لبنان عبر سوناطراك وسلمتها عبر ZR Energy.

وكانت وزارة الخزانة الأميركية أوضحت في بيان لها أنّ “مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية صنّف شقيقين لبنانيين – ريمون رحمة وتيدي رحمة اللذين استخدما ثروتهما وقوتهما ونفوذهما للانخراط في ممارسات فاسدة تسهم في انهيار سيادة القانون في لبنان، مما يقوّض العمليات الديمقراطية في لبنان على حساب الشعب اللبناني”.وشرح البيان أنّ “ريمون رحمة وشقيقه تيدي رحمة استخدما شركات تحت سيطرتهما – داخل لبنان وخارجه – للفوز بعقود حكومية متعددة من خلال “عملية مناقصة عامة مبهمة للغاية”. “وفي عام 2017، حصل الشقيقان رحمة على عقد من الباطن لاستيراد الوقود لاستخدامه من قبل مؤسسة الكهرباء الوطنية المملوك للدولة في لبنان، واستيراد الوقود نيابة عن وزارة الطاقة والمياه اللبنانية في عملية مناقصة أفيد على نطاق واسع بأنها فاسدة”. وشرح البيان أنّه “أثناء التعاقد، استورد الشقيقان رحمة الوقود الملوث، مما تسبّب في ضرر كبير لمحطات توليد الطاقة اللبنانية”. واعتبر البيان أنّ الشقيقين رحمة قاما من خلال شركتهما ZR Energy DMCC التي تتخذ من الإمارات العربية المتحدة مقرًا لها، بنقل منتج الوقود الذي تعرض للخطر بشكل خطير عن طريق مزجه مع أنواع الوقود الأخرى مما تسبّب بتعطّل محطات الطاقة في جميع أنحاء لبنان بشكل متزايد وزادت انقطاع الكهرباء يوميًا. وتجدر الإشارة إلى أنّ الشقيقين رحمة نفيا ارتباطهما بالشركة المذكورة يومها على خلاف رأي النيابة

العامّة مشددين على أنّ عملهما محصور بشركة Group ZR Holding SAL، فيما شركة ZR Energy DMCC تعود لإبراهيم الذوق.

اليوم وبعدما عمدت وزارة الطاقة وشركة كهرباء لبنان الى إدخال لبنان بالعتمة الشاملة تقدمت دولة الجزائر الشقيقة وبطلبق من رئيسها عبد المجيد تبون بتقديم هبة هي عبارة عن باخرة من 30 الف طن من الفيول تقدم للشعب اللبناني لإعادة الكهرباء للبنانيين ولو بشكل جزئي علماً بأن الهبة الجزائرية ستستعمل تحت اشراف مباشر من المسؤولين الجزائريين مقابل أن تعمد السلطة في لبنان لإصلاح الأخطاء التي إرتكبت بحق دولة الجزائر الشقيقة سابقاً.

فهل سيعمد المسؤولين اللبنانيين الى إيقاف عمليات الفساد في هذا القطاع وهل سيصحى ضميرهم مخافة من عذاب الله ومن محاسبة الشعب اللبناني بعد الفضائح التي طالتهم ؟