تخطي إلى المحتوى
تحليل

لبنان ... كل يغني على ليلاه

لبنان ... كل يغني على ليلاه

لبنان في حالة حرب ولا أعتقد أن هذه المسألة قابلة للنقاش. هو البلد نفسه الرازح تحت الأعباء الاقتصادية منذ سنة 2019، والذي تكبد خسائر بشرية ومادية خلال فترة جائحة كورونا. هو البلد الذي إنفطر قلبه مليون قطعة زجاجية صغيرة يوم انفجار العصر بتفجير مرفأ بيروت في 4 آب. هو الذي يقود نفسه بنفسه من دون رئيس ولا قانون ولا دولة ويقف بوجه القدر مسلّحا "بدعاء الأمهات". هذا البلد الصغير الذي تعتدي عليه وعلى سيادته، وعلى بره، وبحره وجوه أقوى الجيوش وتجتمع من أجله الأمم كلها. إما للتفاوض على حقه في الدفاع عن نفسه، أو لإمداده بالمساعدات سواءً المادية والطبية والعينية، أو لاستغلال فرصة العدوان لتقويضه.

في هذا البلد الصغير نفسه،تكهن أيها القارئ العزيز، ما هي أولى الأولويات وأكثرها أهمية؟ الأمن والأمان؟ خطط الإغاثة؟ مراكز للنازحين والمهجرين قسراً من منازلهم مثنىً وثلاث ورباع بحثاً عن سقفٍ يأويهم قبل الشتاء القارس؟ إن كانت هذه إجابتك، فأنت مخطئ وبعيد كل البعد عن الأولوية التي تقلق بال الشعب الآن. الأولوية الآن هي العلم لإنقاذ العام الدراسي. أو لتكون الإجابة أكثر دقة، الأولوية الآن هي للمدارس. كيف ستقاوم المدارس الحرب الغاشمة من دون أن تتكبد الخسائر؟ وكيف ستحصّل الأقساط المدرسية من العائلات، سواء تلك التي هربت عبر المطار أو عبر المصنع ، أو تلك التي انتشرت في البقاع اللبنانية؟ أو نزحت ضيوفاً على عائلات الأقارب والأصدقاء؟ كيف ستقلّص المدارس خسائرها بعد أن ضاعفت أقساطها ؟ كيف ستحلّل الرواتب الشهرية للأساتذة والموظفين؟ والبعض منهم أيضاً خسروا منازلهم ، وإضطروا للنزوح نحو مناطق أكثر أمناً - إن كانت تلك المناطق موجودة أصلاً – وأجبروا على أن يدفعوا مبالغ طائلة لأصحاب البيوت المستفدين من فرص المضاربة والطمع لكي لا يفترشوا الطرقات أو يلجؤوا الى المدارس الرسمية وينتظروا المساعدات العينية التي قد لا تصلهم؟ الشغل الشاغل اليوم هو أن تفتح المدارس أبوابها لإستقبال الطلاب تحت شعار "العلم وجه من أوجه الصمود". أو " لن ندع أطفالنا يخسرون العام الدراسي"، فيما هي فعلاً وبكل وقاحة، مجرد ذريعة لكي تطالب المدارس أولياء الأمور بدفع الأقساط. "زي ما هيي" ضاربين بعرض الحائط حالة الحرب المستجدة و مراهنين على أرواح الطاقم التعليمي ومستغلين تماماً كما كل فاسد آلام الموظفين وساعة الحاجة.

لذا، ترى اليوم ونحن في عين الحرب الغاشمة وكل أنظار العالم موجهة نحو الداخل اللبناني، في إنتظار وقف لإطلاق النار أو مفاوضات تفضي إلى وقف سفك الدماء، ترى اليوم أساتذة يتنقلون من البلدات البعيدة التي نزحوا إليها أينما كانت، ويتوجهون إلى المدارس التي يعلمون فيها، رغم الخطر المحدق بهم من مسيرة أو غارة مفاجئة لا تفرق بين عربي وأعجمي، لأن إدارة المدرسة أعلمتهم أن من لا يحضر يتحمل العواقب، عواقب خوفه من الموت أو صعوبة تنقله من وإلى المدرسة، وأن من سافر ملتجئاً للأمان في بلاد أخرى، ريثما تنتهي

الحرب عليه أن يعود قبل نهايتها وإلا فسيخسر عمله. هذه المدارس نفسها التي تستطيع أن تستفيد من التقدم التكنولوجي وتقنيات التعلم عن بعد المتطورة، والتي استخدموها خلال جائحة كورونا، أصبحت الآن في خضم المجازر والغارات، لا ، لا تكفي جشعهم، ولا تروي ظمأهم. ومع أن الحضور في بعض المدارس لا يتعدى 30% من الطلاب، إلا أن هذا العدد الضئيل مقارنة بأعداد الطلاب التي تتابع التعلم عن بعد. حفاظاً على سلامتهم، كافياً بالنسبة لهذه المدارس الخاصة لإثبات نقطة واحدة فقط: نحن فتحنا أبواب المدرسة، فإن لم تحضروا هذا قراركم الشخصي ولكننا نتوقع منكم أن تدفعوا الأقساط بالكامل. ولا تبالوا بالأرواح التي تتعرض للخطر في أي لحظة، كرمى لتحقيق خطتنا. فهم في قبضتنا، ويعلمون أن مصدر رزقهم على المحك، وهم أحوج إليه اليوم، من أي وقت مضى. إياكم أن تنسوا أن لا تبعات قانونية لهذا القرار، فإن وزارة التربية شرعت لنا الخطة، وحين حملتنا مسؤولية تعريض حياتكم للخطر، حولنا المسؤولية نحو المسؤولية نحو أولياء الأمور، أما حياة الطاقم التعليمي فلا دخل لنا. فهم يعتمدون على "دعاء الأمهات".

قصة العام الدراسي ومصيره وقضية المدارس الخاصة اليوم، مرآة للتخبط الذي يعيشه لبناننا، فلا نحن شعب واحد ولا قلب واحد، وحين يمرض عضو من أعضائنا لا يتداع له سائر الأعضاءِ.

بل كل يغني على ليلاه، وكل يعيش على هواه ، والبقاء للأكثر فساداً وجشعاً وطمعاً.