حكومة الإنقاذ والإصلاح أنجزت هذه التعيينات الذي طال إنتظارها، والإنجاز هنا هو دلالة على مباشر العمل لعودة الحياة إلى القطاع المصرفي وليس الإنتهاء من العمل. ولكن الأهم، هل أنجزت هذه التعيينات وفق معايير الحوكمة الرشيدة ومن خلال إعتماد آلية تعيين تحاكي طبيعة وحجم الأزمة المصرفية في لبنان؟ إنعدام الشفافية في طريقة إنجاز هذه التعيينات تدفعني إلى الإجابة على هذه الأسئلة بالنفي، ولي رأي مهني وعلمي في ذلك...
مع كل الإحترام والتقدير للأصدقاء والزملاء نواب حاكم مصرف لبنان ورئيس وأعضاء لجنة الرقابة على المصارف، ملاحظاتي ليست بالشخصي، وهي فقط بالمهني، وأتقدم بإعتذاري مسبقاً إذا كانت بعض الكلمات او العبارات قاسية، وأخص بالذكر الدكتور سليم شاهين والدكتور وسيم منصوري الذان أعيد تعيينهم لمهام نواب حاكم المركزي.
يتمتع نواب حاكم مصرف لبنان الأربعة بسلطة فنية ومؤسساتية كبيرة، ويشكّلون "كتلة تصويتية" قد تميل إلى دعم الحاكم أو الاعتراض عليه، حسب:
- ظروف التعيين
- والتوازن السياسي.
كيف يُعيَّن نواب الحاكم؟
يتم تعيينهم بمرسوم يصدر عن مجلس الوزراء. يتم اختيار كل نائب عادة بالتفاهم السياسي والطائفي، بحيث يمثل طائفة أو جهة سياسية محددة. والأهم من كل ذلك هو ان التوزيع الطائفي غير منصوص عليه قانوناً، لكنه معمول به عرفاً (مثل نائب شيعي، درزي، سني وأرمني).
عندما يكون التعيين مبنياً على الولاء السياسي أو الطائفي بدلاً من أو حتى مع الكفاءة، تحدث عدة اختلالات:
- في أوقات الأزمات، هناك إحتمال كبير أن يميل نائب الحاكم إلى حماية مصالح مرجعيته، حتى لو تعارض ذلك مع المصلحة النقدية أو الاستقرار المالي.
- بدل أن يكون نائب الحاكم صوتاً مستقلاً يعارض أو يراقب، يصبح امتداداً لموقف سياسي داخل المجلس.
- عندما يتصرف نائب الحاكم وفق أجندة خارج المصرف، تفقد المؤسسة، أي السلطة النقدية، استقلاليتها، وتُهزّ الثقة العامة بسياساتها. ويظهر ذلك في ملفات مثل التغطية على سياسات الدعم أو سكوت بعض النواب على تجاوزات نقدية كارثية.
رفض إعادة تعيين السيد بشير يقظان في منصب النائب الثاني لحاكم مصرف لبنان من قبل المرجعية الدرزية واستبداله بشخص أقرب لها سياسياً، وأيضاً الإصرار على الإبقاء على الدكتور منصوري في منصبه، النائب الأول لحاكم مصرف لبنان، وتأكيد عدم رغبة المرجعية الشيعية إعادة تعيين الدكتور كامل وزني هو دليل قاطع على ما تقدمت على ذكره.
هل من المنطقي إستمرار نواب الحاكم الأربعة الحاليين، أو أيّ منهم، مع الحاكم الجديد؟
1. من الناحية الأخلاقية – مبدأ المساءلة: استمرارهم يعني تبييض سجلّ المرحلة الماضية، التي اتُّهم فيها مصرف لبنان بالمشاركة في تغطية الفساد وتمويل الانهيار. لا يمكن بناء الثقة في الحوكمة النقدية إذا لم يكن هناك فصل واضح مع من شارك أو سكت عن الإنحرافات السابقة. بعيداً عن شخصنة الموضوع، البقاء من دون محاسبة يعني من دون لبس شرعنة الفشل.
2. من الناحية المؤسسية – تضارب الأدوار: كيف يمكن لنائب حاكم شارك في صناعة القرارات المصيرية (سياسات الدعم، الهندسات، التوسع في الكتلة النقدية) أن يكون الآن جزءاً من فريق إصلاحي؟ تكرار الأسماء يُفرغ التغيير من مضمونه، ويجعل الحاكم الجديد أسيراً لمنظومة بيروقراطية قد تُفرمل اندفاعه الإصلاحي. الإصلاح لا يُبنى بأدوات أفسدت أو فشلت في الماضي. وإن لم يشاركوا في صناعة هذه القرارات، كما حاول البعض الترويج له، فلن يكون هناك منفعة في إعادة تكليفهم/تعيينهم!
3. من الناحية السياسية – رسائل خاطئة للداخل والخارج: تعيين الحاكم الجديد (كريم سعيد) اعتُبر خطوة نحو إستعادة الثقة. لكن إبقاء الفريق التنفيذي القديم يبعث برسالة سلبية للمجتمع الدولي (صندوق النقد، الاتحاد الأوروبي، وكالات التصنيف) - لا نية جدية بالإصلاح، بل تدوير للوجوه. تغيير رأس الهرم وحده لا يكفي، بل يجب إعادة تشكيل فريق القيادة النقدية بالكامل.
المشهد لايختلف في لجنة الرقابة على المصارف لجهة الإمتثال إلى رغبات المرجعية السياسية والمذهبية في التعيينات؛ والأهم هل جاء ذلك على حساب مصلحة القطاع المصرفي ومصلحة الإقتصاد الوطني؟ العبرة في الأداء.
أكرر التعبير عن التقدير والاحترام التام لنواب الحاكم الأربعة، ورئيس وأعضاء لجنة الرقابة على المصارف. المرحلة صعبة وحرجة والتغيير ضروري والذي يجب أن يشمل أيضاً الأمانة العامة لهيئة التحقيق الخاصة - لبنان رمادي عالمياً وأسود أوروبياً، ويغرق في الأوراق النقدية لأنها الوسيلة المفضلة لدى المستهلك والتاجر لتمويل الأنشطة الإقتصادية.
يجب أن لا يؤخذ كلامي هذا على أنه إدانه أو إشاده بمن تم التخلي عن خدماته، أو من تم إعادة تعيينه، أو الأشخاص الجدد؛ أنا فقط أعطي ملاحظاتي في الآليه والنهج الذي تم إعتماده في إنجاز هذه التعيينات وهذه من مسؤولية كل مكونات السلطة التنفيذية. الكل، في لبنان والعالم، بإنتظار عودة الإنتظام إلى ربوع القطاع المصرفي، وبهذا تكون العبرة في الأداء.