تخطي إلى المحتوى
تحليل

عالم بلا نقود ورقية، كيف يمكن أن يكون ؟

عالم بلا نقود ورقية، كيف يمكن أن يكون ؟

بقلم الخبير المالي والاقتصادي الدكتور بلال علامة

المال زينة الحياة الدنيا ومصدر لجلب السعادة ". قد تكون هذه المقولة صحيحة ولكن من المؤكد أنها تناولت المال بالمطلق وبشكل عام دون الغوص بشكله أو نوعه أو الطريقة المتبعة لإنفاقه . المال ليس له صورة حقيقية أخرى تعبر عنه سوى المال ذاته، والأشياء تتخذ قيمتها من ذاتها وليس الصور التي تتشكل عليها، فجميع صور المال هي مجرد شكل أو رمز لحفظ القيمة ونمطية القياس ليس أكثر، وهذا ينسحب على العملات النقدية الورقية والمعدنية والرقمية وشكل التداول الإلكتروني كذلك.

في المقابل نجد أن المال قد اتخذ أشكالاً بديلة متعددة عبر التاريخ تحت وطأة مخاطر وصعوبات موضوعية تمثلت بصعوبة النقل والتخزين وإمكانية العطب وصعوبة التقييم والصرف والمبادلة والمقايضة كما كان في حالة الملح والسجائر والأخشاب، حتى في حالة الفضة والذهب والمعادن فلم يكن الخيار كاملاً على مستوى العالم.

جاء النقد الورقي ليحل جزءاً كبيراً من المشكلة، فهو شكل رسمي موحد، خفيف الوزن، معياري القيمة ، وأداة معتبرة لتخزين ونقل القيمة، وهو وحدة للقياس والمحاسبة. إلا أن النقد الورقي يعاني من إشكالات التزوير والسرقة والتلف والاحتراق والتهريب وتغير سعر الصرف وتآكل قيمته بسبب التضخم وحجمه الكبير في حالة المبالغ الضخمة، علاوة على إمكانية إخفاء سجلات مسيرته في عمليات الرشوة والفساد وغسيل الأموال وتجارة المخدرات وتجارة الأسلحة والتجارة غير المشروعة.

في السنوات الأربع الأخيرة وبسبب تفشي وباء كورونا (كوفيد-19 ) عالمياً فقد أكدت الدراسات إمكانية نقل العدوى عن طريق الورق والجرائد والعملة النقدية، فتعززت رواية سابقة تؤكد أن العملات الورقية هي أكثر الأشياء تلوثاً في العالم نظراً لكثرة تداولها وملامستها للأيدي وعلى نطاق واسع ومرات كثيرة في مسيرتها عبر الدورة الإقتصادية. من هنا إنطلقت من جديد حملة عالمية قوية تدعولإنهاء التعامل بالنقد الورقي والمعدني واستبداله بالمعاملات الإلكترونية والعملات الرقمية.

قد يكون ظهور التعاملات بالعملات الرقمية بداية التحريض على الإستغناء عن النقد الورقي. كذلك فإن جائحة كورونا ومفاعيلها الناتجة عن خطر إنتشار الفايروس قد سرعت عملية التفكير والتخطيط للتخلص من النقد الورقي والتحول كلياً الى إعتماد التعاملات الرقمية والتداول بالعملات الرقمية.

الدفع الإلكتروني في المقدمة، وداعاً للنقد الورقي قريباً.

ينتشر الدفع الإلكتروني بطريقة خيالية وبوتيرة سريعة جداً تكاد تجعله يلغي إستخدام النقد الورقي في العديد من البلدان، فمثلاً تتصدر السويد قائمة الدول التي تتحول تدريجياً إلى إلغاء المعاملات المالية بالنقد الورقي وتليها كندا التي وصلت فيها معاملات النقد الرقمي إلى 59% من إجمالي المعاملات المالية.

كذلك في بريطانيا وصل التعامل الرقمي بالمعاملات المالية إلى 47% وفي فرنسا 39%، أما في الشرق الأوسط فقد بلغ قبول المستخدمين للدفع الالكتروني 71% في الإمارات و58% في السعودية.

بالتأكيد جميعنا لاحظنا التقدم العظيم الذي لاقته طرق الدفع الإلكتروني لما لها من مميزات عظيمة الشأن في إتمام عمليات البيع في المتاجر الالكترونية والنشاطات الرقمية عموماً بجميع أشكالها.

لذلك بدأت مناقشة فكرة إنهاء النقد التقليدي وإحلال الشكل الرقمي والإلكتروني مكانه وقد أصبحت الفكرة متداولة جداً وقد بات العديد من الدول الأوروبية بدءاً من المملكة البريطانية وليس أخيراً دول الإتحاد الأوروبي جاهزة لإعلان إلغاء التداول بالعملة الورقية والإنتقال الى اعتماد التداول بالعملة الرقمية والتعاملات الإلكترونية ويأتي ذلك في إطار الإيجابيات والمكاسب كالآتي:

- 1نعدام الوزن والحجم والشكل المادي.

2. سرعة فائقة في النقل والتبادل والتحويل والصرف.

3. أمان مرتفع ضد السرقة والتزوير.

4. كلفة إصدار صفرية من الجهات المصدرة.

5. سهولة تتبع الحركات وضبط سجلات التداول.

6. انعدام إمكانية التلف أو التقادم.

7. سهولة تتبع جرائم الرشوة والاختلاس.

8. كبح ممارسات التهرب الضريبي وتهريب النقد.

9. سهولة تقدير السلطات للثروة أو المبيعات أو الأصول.

بالمقابل وفي حال تم اعتماد إلغاء التداول بالنقد الورقي والمعدني وتم اعتماد التعاملات الالكترونية والرقمية فهل تخلو هذه الطريقة من السلبيات والمخاطر ؟

الأكيد كلا وهناك الكثير من المخاطر والسلبيات نعرضها على الشكل التالي:

1. إمكانية السطو الإلكتروني وسرقة الحسابات المالية أو تزييفها وممارسات الاحتيال الإلكتروني من قبل الهاكرز، وإمكانية تحديد وتسرب أرقام الحسابات ورموزها السرية في ظل ممارسات مؤكدة سابقة تشبه ذلك.

2. انتهاء عصر الخصوصية في ظل كشف حركات الحسابات المالية للناس وتتبع مشترياتهم ودفعاتهم وتحويلاتهم، كل ذلك سيكون سجلا متاحا لاطلاع الحكومات وموظفي القطاع المالي.

3. تعطل شبكة الإنترنت أو الهاتف أو الحاسوب معناه تعطل الأعمال المالية ووقف كافة أشكال التجارة والتبادلات أو الدفع.

4. الخضوع الكامل لسيطرة الحكومات والسلطات النقدية والشركات المالية، فبمجرد وضع إشارة التجميد على الحسابات المصرفية أو وقف التداول فذلك يعني حرمان صاحبها من أبسط الحقوق الحياتية.

5. الاحتكار للنظام المالي من جهة الحكومات والشركات والمصارف سوف يجبر المتعاملين على الرضوخ لأي متطلبات أو رسوم أو عمولات يتم طلبها، فلا خيار آخر أمامهم.

6. التوسع في الإنفاق وصعوبة ضبط المصاريف نظراً لتعدد مستخدمي البطاقات الائتمانية واستسهال الصرف لأفراد الأسرة وانعدام التفاعل المادي مع النقد لحظة الدفع.

بين هذا وذاك، يمكن النظر لمسألة تحول النقد لصيغته الإلكترونية كجزء طبيعي من التطور الجاري في جميع مناحي الحياة؛ فكما تم إلغاء النقد الذهبي ذات يوم ، وكما تم استبدال البريد الورقي بشكله الحالي بالبريد الإلكتروني، وكما تم استبدال التوقيع بشكله الرقمي، فمن المتوقع قبول وتقبل فكرة إلغاء النقد الورقي والمعدني.

فكيف سيصبح العالم بعد إتخاذ قرار إلغاء النقد الورقي وهل ستكون الخطوة الثانية هي اعتماد الهوية الإلكترونية والرقمية للأفراد ؟

سؤال كفيلة الايام القادمة بالاجابة عنه تحت عنوان " الدفع الإلكتروني في المقدمة ، فوداعاً للنقد الورقي