فلوريدا - خاص
في واحدة من أكثر التحركات الاقتصادية إثارة للجدل في السياسة الأميركية المعاصرة، أعلنت الإدارة الأميركية عن رفع القاعدة الأساسية للرسوم الجمركية إلى ما يتراوح بين 15% و50%، حسب درجة العلاقة الثنائية مع الدول. تأتي هذه الخطوة في وقت يشهد حراكاً متسارعاً لتوقيع اتفاقيات تجارية جديدة مع اليابان والاتحاد الأوروبي والفلبين وإندونيسيا، بينما تظل علاقات التجارة مع كندا والهند عالقة في ظل تهديدات بفرض رسوم قد تصل إلى 35%.
وعلى الرغم من أن هذه السياسات تبدو في ظاهرها محاولة لتقليص العجز التجاري وتحفيز الصناعة الوطنية، إلا أن القراءة المتأنية تكشف عن أبعاد سياسية واقتصادية معقدة. فالرسوم لم تعد مجرد أداة اقتصادية تقليدية، بل تحولت إلى ورقة ضغط جيوسياسية توظفها الإدارة لتحقيق مكاسب تتجاوز التجارة إلى ميدان التأثير والردع الاستراتيجي.
الاتفاق الموقع مع اليابان يعكس هذا التوجّه بوضوح. فبموجب الصفقة، وافقت طوكيو على فرض رسوم بنسبة 15% على السيارات اليابانية المصدرة إلى الولايات المتحدة، مقابل تعهد باستثمار ما قيمته 550 مليار دولار في السوق الأميركية. وبينما ارتفعت أسهم الشركات اليابانية فور الإعلان، كانت ردود فعل شركات السيارات الأميركية أكثر تحفظاً، بل وحذرت من أن خفض الرسوم على السيارات ذات المحتوى الأميركي المنخفض سيؤدي إلى إضعاف الصناعات المحلية.
جمعية السياسات الخاصة بصناعة السيارات الأميركية انتقدت الاتفاق، معتبرة أنه يمنح امتيازات غير مبررة لمنتجات يابانية تفتقر إلى المكونات الأميركية، في حين تُفرض رسوم أعلى على السيارات المصنّعة في كندا والمكسيك، رغم أن معظمها يحتوي على نسب عالية من المكونات المنتَجة في الولايات المتحدة. هذا التناقض في المعايير يطرح سؤالاً جوهرياً حول مدى واقعية هذا النهج في تعزيز الإنتاج الأميركي مقابل كسب الاستثمارات الأجنبية بأي ثمن.
من جهة أخرى، بدا جلياً أن تصعيد الرسوم يُستخدم أيضاً كأداة سياسية، إذ تم ربط نسب الرسوم بمدى “الانسجام” أو “الخلاف” مع الموقف الأميركي. فالدول “المتعاونة” كاليابان والفلبين حصلت على نسب معتدلة، بينما رُفعت النسبة إلى مستويات تصل 50% بالنسبة للدول “المعقدة”، في إشارة واضحة إلى الصين وروسيا وحتى بعض الحلفاء التقليديين.
هذا التوجه أثار تحذيرات من خبراء اقتصاديين كبار، وعلى رأسهم البروفيسور جيفري ساكس، الذي اعتبر أن سياسات الرسوم الجمركية المفرطة لا تؤدي فقط إلى إضعاف الاقتصاد الأميركي، بل تهدد النظام التجاري العالمي برمّته. بحسب ساكس، فإن فرض “عقوبات ثانوية” على دول تتعامل مع روسيا – مثل الصين والهند – سيفتح الباب أمام إعادة تشكيل نظام عالمي بديل، قائم على تحالفات لا تشمل الولايات المتحدة، وربما تتجاوزها تمامًا في بعض الملفات الاستراتيجية.
وفي مقابل هذا التصعيد، أبدت روسيا قلقاً واضحاً من السياسات الأميركية، محذّرة من أنها تسهم في تفكك المنظومة الاقتصادية الدولية. فوزارة الخارجية الروسية رأت أن الولايات المتحدة لم تعد عاملاً للاستقرار في التجارة العالمية، بل أصبحت مصدر اضطراب يقوّض الثقة، ويخلق حالة من الانقسام الاقتصادي على أساس سياسي.
في خضم هذا المشهد، طُرحت فكرة استخدام عائدات الرسوم الجمركية كبديل لضريبة الدخل في الولايات المتحدة، ما يعني وفق بعض التصريحات الرسمية “تحرير المواطن الأميركي من عبء الضرائب”. ورغم الجاذبية الشعبوية لهذا الطرح، إلا أنه يفتقر إلى الواقعية المالية، إذ إن عائدات الرسوم لا تمثل سوى نسبة ضئيلة من إجمالي الموازنة الفيدرالية، ولا يمكنها بأي حال تعويض العائدات الناتجة عن ضريبة الدخل، التي تشكّل عماد المالية العامة الأميركية.
الأسوأ من ذلك أن التصعيد الجمركي قد يؤدي إلى موجة تضخم داخلي نتيجة ارتفاع أسعار السلع المستوردة، مما يزيد العبء المعيشي على المواطن بدل أن يخففه، ويضرب القدرة الشرائية للطبقة الوسطى التي تُعدّ العمود الفقري للاقتصاد الأميركي.
السياسة التجارية الجديدة تبدو وكأنها تسير على حبل مشدود بين وعود محلية طموحة وواقع دولي متغير. وبينما قد تحقّق بعض النجاحات التكتيكية في كسب استثمارات أو تحسين موازين تجارية مؤقتاً، فإنها في المقابل تُخاطر بإضعاف موقع الولايات المتحدة في سلاسل التوريد العالمية، وتُهدد بتراجع نفوذها كقوة قائدة للنظام الاقتصادي العالمي.
يبقى أن نجاح هذه السياسة – أو فشلها – مرهون بقدرتها على تحقيق توازن دقيق بين المصالح القومية والانفتاح العالمي، وبين الطموح السياسي والواقعية الاقتصادية. أما إذا تمادت في توظيف الرسوم كسلاح سياسي دون حساب الكلفة الاستراتيجية، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها، في نهاية المطاف، تدفع ثمناً باهظاً لعزلة تجارية اختارتها بنفسها،،،