تخطي إلى المحتوى
تحليل

"الشيعة" في لبنان بين الدولة والدويلة: مراجعة الحرب ورهانات البقاء

"الشيعة" في لبنان بين الدولة والدويلة:  مراجعة الحرب ورهانات البقاء

على مدى أشهر، شهدت البيئة الشيعية في لبنان، سواء المقرّبة من “حزب الله” وحركة “أمل” أو المعارضة لهما، سلسلة نقاشات ولقاءات حوارية بعيدة عن الإعلام. شاركت في هذه الحوارات أيضاً مؤسسات الدولة، بدءاً من رئاسة الجمهورية مروراً بالحكومة ووصولاً إلى المجلس النيابي برئاسة نبيه بري، الذي يُعدّ طرفاً محورياً في رسم السياسات الهادفة لإنقاذ ما تبقّى من واقع الثنائي الشيعي .

تركّزت هذه النقاشات على تقييم الحرب الإسرائيلية على لبنان ونتائجها، وكيفية مواجهة المرحلة المقبلة عبر صياغة رؤية قادرة على التعامل مع التحدّيات الراهنة والمستقبلية. في مقدمة الأولويات برزت الحاجة إلى مراجعة شاملة لحرب الإسناد التي خاضها “الحزب”، ثم العدوان الإسرائيلي الأخير، مع تقييم صريح للثغرات التي مكّنت العدو من توجيه ضربات قاسية للمقاومة عبر استهداف قادتها ومراكزها، في ظل استمرار الاغتيالات حتى اليوم. ويرى بعض المشاركين أنّ اتفاق وقف الأعمال العدائية وملحقه أعطيا إسرائيل هامشاً واسعاً لتنفيذ الاغتيالات ومنع حزب الله من إعادة ترتيب بنيته العسكرية. كما ظهر واضحاً بأن قوة حزب الله وسلاحه قد جلبا الويلات على لبنان ولم يعد مقبولاً القول أن السلاح يحمي ويبني .

ترافقت هذه المداولات مع مخاوف من عودة الحرب في أي وقت، والحاجة للاستعداد لكل السيناريوهات، في ظل الحصار المالي، وتعطيل إعادة الإعمار، وتنامي التصوّرات المتشائمة التي ترى أنّ الطائفة الشيعية مستهدفة بشكل خاص. وزاد المشهد تعقيداً التنقّل المستمر للمبعوثين الأميركيين وتبادل الأوراق التفاوضية من دون نتائج ملموسة، فيما كانت المنطقة تشهد تحولات دراماتيكية: من الزلزال السياسي في سوريا، إلى انكفاء المجموعات العراقية، وصولاً إلى الحرب الإسرائيلية – الإيرانية السريعة التي زادت من غموض المشهد الإقليمي .

خلاصة هذه النقاشات تمحورت حول العودة الكاملة إلى لبنان، والتأكيد على نهائية الكيان اللبناني كحِصن للطائفة الشيعية، مع ضرورة تعزيز الشراكات الوطنية وحماية مؤسسات الدولة، والتكيّف مع طبيعة المرحلة، مع البقاء على جهوزية لاحتمال عودة الحرب أو اندلاع مواجهة إقليمية شاملة .

غير أنّ التطورات الأخيرة أعادت ما يُعرف بـ “القطبة المخفية” إلى الواجهة، إذ صعّد حزب الله خطابه، متهماً الدولة بالتقصير في حماية لبنان، وصولاً إلى اتهام الحكومة ورئيسها بالتآمر والانصياع للشروط الأميركية والإسرائيلية. بذلك، تحوّلت النقاشات إلى جدل حول دور حزب الله في التركيبة اللبنانية، ومَن يمتلك القدرة على حماية البلاد، وسط تساؤلات عن أسباب عودة الانقسام وخطورته على مستقبل لبنان .

بينما ترى بعض الأوساط الشيعية ضرورة مراقبة تطورات الملف الأميركي – الإيراني، إذ ستنعكس مخرجاته على لبنان والمنطقة، تدعو أوساط أخرى إلى عدم انتظار هذه التطورات والعمل على تحصين الداخل اللبناني بغضّ النظر عن نتائج الصراع بين واشنطن وطهران. في المقابل، تعتبر قوى سياسية أنّ المشكلة أعمق، وترتبط بعدم اقتناع حزب الله تاريخياً بنهائية الكيان اللبناني، وحرصه على نموذج “الدويلة” التي تستفيد من الدولة المنهكة. وهنا يظهر عنوان الخلاف: صراع الدولة مع الدويلة ومصير الموارد التي توفّرها الدولة لبيئة الأخيرة .

أمام هذه التحديات، تؤكد بعض القيادات الشيعية أنّ الأولوية اليوم هي حماية الوجود والكيان اللبناني من العواصف المقبلة، ما يستوجب أداءً سياسياً جديداً ورؤية متجددة تستفيد من التجارب التاريخية، وصولاً إلى حرب الإسناد والعدوان الأخير. وبانتظار تبلور مخرجات هذه النقاشات وانعكاسها على مواقف القوى الشيعية ومؤسساتها الدينية، تظلّ أهميتها في إبراز الحيوية الداخلية للطائفة وقدرتها على تجاوز الأزمات، مستندةً إلى إرث قادة كبار كالإمام موسى الصدر، والإمام محمد مهدي شمس الدين، والسيد محمد حسين فضل الله. "رحمهم الله ".

لقد كشف هذه النقاشات أنّ الانقسام داخل البيئة الشيعية لم يعد مجرّد تباين في الرؤى، بل بات مؤشّراً على أزمة أعمق تهدد استقرار الطائفة وموقعها في الكيان اللبناني. فاستمرار التمسك بمعادلة “الدويلة” على حساب الدولة يفتح الباب أمام عزلة سياسية واقتصادية أوسع، ويزيد من هشاشة لبنان أمام الضغوط الخارجية. وفي غياب رؤية موحّدة تُوازن بين مقتضيات المقاومة ومتطلبات الدولة، سيبقى لبنان، ومعه الطائفة الشيعية، عرضة لدورة جديدة من الصراعات التي قد لا تترك مجالاً لتدارك الخسائر .

فالى أين يتجه لبنان في ظل مكابرة الطوائف وإعتبار كياناتها أهم من الدولة؟