تخطي إلى المحتوى
تحليل

"قرار شعيتو ...بداية معركة قضائية لاستعادة الأموال المهرّبة"

 "قرار شعيتو ...بداية معركة قضائية لاستعادة الأموال المهرّبة"

في خطوة يمكن وُصفها بالجريئة والاستثنائية، أصدر النائب العام المالي القاضي ماهر شعيتو بتاريخ 14 آب 2025 قراراً قضى بتكليف الأشخاص الطبيعيين والمعنويين، بمن فيهم بعض المصرفيين، بإعادة مبالغ إلى المصارف اللبنانية تعادل قيمة الأموال التي تم تحويلها إلى الخارج خلال فترة الأزمة المالية، وبذات نوع العملة، وذلك خلال مهلة شهرين من تاريخ التبليغ. القرار، الذي سيتم تنفيذه وفق شروط تحددها النيابة العامة المالية، مما أثار نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية والاقتصادية والشعبية، لما يحمله من أبعاد قانونية ومالية وسياسية معقدة.

أولاً: الإطار القانوني للقرار

يستند القرار إلى صلاحيات النيابة العامة المالية في مكافحة غسل الأموال وتتبع الأموال المشتبه بتحويلها بطرق غير مشروعة، إضافة إلى حماية المال العام وملاحقة الجرائم المالية. وعلى الرغم من أن السلطة التشريعية هي المخولة بوضع قوانين ملزمة، فإن القرار يُعدّ تدبيراً قضائياً ضمن صلاحيات التحقيق والرقابة التي يتمتع بها النائب العام المالي.

غير أن الإشارة إلى إمكانية اعتماد "لائحة اسمية محددة" بالأشخاص المعنيين، تثير تساؤلات قانونية حول معايير اختيار الأسماء وضمان عدم التمييز أو الانتقائية في التطبيق.

ثانياً: الأبعاد الاقتصادية والمالية

يهدف القرار بالدرجة الأولى إلى ضخ سيولة إضافية في القطاع المصرفي اللبناني، الذي يعاني من شح حاد منذ اندلاع الأزمة عام 2019. إعادة هذه الأموال، ولو جزئياً، قد تساعد على ترميم الثقة المفقودة بين المودعين والمصارف، وتوفر متنفساً للنظام المالي.

لكن التحدي الأكبر يكمن في قابلية التنفيذ، إذ أن الأطراف المعنية قد تلجأ إلى الطعن القانوني أو التذرع بعوائق فنية ومالية، مما قد يحد من فاعلية القرار على أرض الواقع. كما أن غياب خطة شاملة لاستثمار هذه الأموال في دعم الاقتصاد الفعلي، قد يحوّلها إلى مجرد إجراء ظرفي لا يعالج جذور الأزمة.

ثالثاً: الانعكاسات السياسية والاجتماعية

يحمل القرار رسالة سياسية واضحة مفادها أن القضاء قادر على المبادرة، حتى في ظل الانسداد السياسي وتعطيل الإصلاحات التشريعية. بالنسبة للرأي العام، يُنظر إلى الخطوة على أنها بداية مسار استرداد الأموال المنهوبة أو المهرّبة، وهو مطلب شعبي أساسي منذ اندلاع الاحتجاجات في 2019. ومع ذلك، لا يمكن إغفال احتمال توظيف القرار في الصراعات السياسية الداخلية، خصوصاً إذا

ثبت أن اللوائح الاسمية تستهدف أطرافاً دون غيرها. وهذا الخطر قد يضعف من صدقية القرار ويحوّله من أداة إصلاحية إلى أداة تصفية حسابات.

كان بالإمكان اتخاذ إجراءات مشابهة في وقت أبكر لو أن رئيس هيئة التحقيق الخاصة في لبنان قام بدوره، غير أن ازدواجية المنصب بينه وبين حاكم مصرف لبنان، وما ترتب عليها من تضارب مصالح، جعلت من الهيئة خلال فترة الأزمة المالية مجرد شاهد صامت على أكبر عملية تهريب أموال في تاريخ البلاد. لذلك، يُعدّ قرار القاضي ماهر شعيتو سابقة في العمل القضائي المالي في لبنان، إذ يجمع بين البعد الرمزي والبعد العملي في محاولة لاستعادة جزء من الأموال المحوّلة إلى الخارج خلال الأزمة. نجاح هذه الخطوة لن يقاس بمجرد صدور القرار، بل بقدرة السلطات على تطبيقه بشفافية وحياد، وبالاستفادة من الأموال المستعادة في تعزيز الاستقرار المالي وتحريك عجلة الاقتصاد. أما إذا رافق التنفيذ غموض أو انتقائية، فقد يتحول القرار من فرصة إصلاحية إلى جدل سياسي جديد يزيد من تعقيد المشهد اللبناني ويضيف مادة جديدة للجدل العقيم.