تخطي إلى المحتوى
دولية

بين خفض الفائدة وهشاشة الاقتصاد الاميركي : استقرار المرحلة أم ركود مؤجل ؟

بين خفض الفائدة وهشاشة الاقتصاد الاميركي :  استقرار  المرحلة أم ركود مؤجل ؟

خاص - مجلة 24

قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بخفض أسعار الفائدة لأول مرة هذا العام يعكس بوضوح حجم القلق من تباطؤ النمو وضعف سوق العمل. هذه الخطوة، رغم أنها تبدو في ظاهرها محفزة للنشاط الاقتصادي عبر تقليل تكلفة الاقتراض وزيادة الاستهلاك، إلا أنها تكشف في العمق هشاشة البنية الاقتصادية الأميركية، خصوصًا في ظل تفاقم التفاوت الطبقي بين الأغنياء وبقية المجتمع.

البيانات الأخيرة من “موديز أناليتكس” تظهر صورة مقلقة: الشريحة الأعلى دخلًا، أي عشرون بالمئة من الأميركيين بمعدل دخل يفوق 264 ألف دولار سنويًا، هي المسؤولة اليوم عن أكثر من 63% من الإنفاق الكلي، فيما الـ10% الأعلى دخلاً ينفقون نحو نصف الاستهلاك الأميركي . هذه الأرقام غير مسبوقة تاريخيًا، وتؤكد أن الاقتصاد الاميركي بات اقتصادًا على شكل حرف K: فالقلة الثرية تواصل الصعود، فيما تواجه الطبقة الوسطى والدنيا ضغوطًا متزايدة من التضخم وغلاء المعيشة. وهذا يعني أن أي هزة في ثقة الأثرياء، سواء نتيجة هبوط أسواق الأسهم أو أزمة مالية مفاجئة، قد تدفع الولايات المتحدة مباشرة إلى ركود عميق.

في العادة ، خفض الفائدة يدعم الطلب العالمي على النفط لأنه يقلل تكلفة التمويل ويشجع النشاط الصناعي. لكن رغم ذلك، لم تُظهر الاسواق النفطية اندفاعًا صعوديًا واضحًا، إذ تراجعت أسعار برنت إلى 67.44 دولارًا، والـWTI إلى 63.57 دولارًا للبرميل. السبب أن المخاوف من تباطؤ الاقتصاد الأميركي وهو أكبر مستهلك للطاقة في العالم ، لا تزال تضغط على المعنويات، خصوصًا مع استمرار ارتفاع مخزونات الديزل، ما يعكس تباطؤًا في الطلب الصناعي.

في ظل هذه التطورات، يقف الرئيس دونالد ترامب أمام اختبار اقتصادي حساس. ورغم أن الفيدرالي يتمتع باستقلالية في قراراته النقدية، إلا أن نتائج هذه القرارات ستنعكس بشكل مباشر على أداء إدارته. الرئيس يواصل التأكيد أن سياساته القائمة على خفض الضرائب، وحماية الصناعة الأميركية، وإعادة التوازن التجاري تمنح الاقتصاد الأميركي صلابة أكبر في مواجهة الضغوط. كما أن ربطه بين الاستقلالية الطاقوية للولايات المتحدة وبين تعزيز مكانتها العالمية يُعتبر محورًا أساسيًا في استراتيجيته.

الأسواق، رغم قلقها، ما زالت تراهن على أن وجود ترامب في البيت الأبيض يوفر حدًّا من الثقة، خاصة في ما يتعلق بقدرته على التعامل مع الصدمات الجيوسياسية، وحرصه على تجنب أي حرب كبرى قد تهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي. ومن هنا، فإن خفض الفائدة الأميركية يبدو خطوة ضرورية لكنه لا يعالج التفاوت البنيوي داخل المجتمع. الفجوة المتسعة بين الأغنياء والفقراء تجعل الاقتصاد هشًّا أمام أي صدمة مفاجئة، فيما يبقى الرهان على سياسات الرئيس ترامب الاقتصادية والسياسية كعامل موازن يمنح الأسواق بعض الاطمئنان في مواجهة المستقبل المليء بالتحديات.