تخطي إلى المحتوى
تحليل

بموت فيك يا لبنان: الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون!

بموت فيك يا لبنان: الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون!

بقلم الكاتبة والناشطة الإجتماعيّة

ماري الخوري

ليس بالضرورة ان يموت الجسد ليبدأ مشوار الوداع ...

يعتبر جيـل Z أو جيـل الألفيـة (أولئـك الذيـن ولـدوا مـن منتصـف التسـعينات وصاعداً) قلب لبنان النابض.

لكنّ هذا القلب مات وعاش مرارًا وتكرارًا في عشق وطن درسَ مزاياه الجمالية ،الطبيعية ،الاقتصادية والسياحية يوم كان منبرًا للحريّات وسويسرا الشرق ، في كُتب تاريخٍ توقّف عند إصدارِها زمن البحبوحة، فانطفأت أنوار شمس بعلبك، وسكت حنين فيروز، وأسدلت ستارة الفرح عن مدرّجاته، فبَات التوثيق والتأريخ مختومًا بالأحمرِ ...

وقد أضحى لبنان وديع الصافي بعدها جنّة المجرمين الفاسدين ، بدلًا ممّا غنّاه يوما "يا قطعة سما" ... !

نحاول جاهدين أن ننسى مُخلّفات الحرب الأهليّة التي كَبرنا على رؤيتها في ملامحِ وجوه ِآبائنا وعاهاتهم ،وفي صمت دموع أمّهاتنا وصورٍ تملأ جدران بيوتنا منذ زمن حتى سَكَنت همسات امّي كلّ ما مرّت بجانبها قائلة : " يا تقبرني على هالوجّ" ! ولكنّ!

اضطررنا وعلى مختلف انتماءاتنا وخلفياتنا الى تحمّل مسؤوليات جَمّة، تجاوزت أعمارنا وقدراتنا على مواجهة الأزمة الثلاثية الأبعاد : من إنهيار اقتصادي شامل أولًا ، وإفلاس لمؤسّسات الدّولة بأكملها ثانيًا ،وأخيرًا وليس بالمؤكّد آخراً آثار تفجير مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020 ،الذي أسفر عن مقتل أكثر من 200 شخص وإصابة ما يناهز سبعة آلاف آخرين بانفجار مئات أطنان نيترات الأمونيوم المخزّنة منذ سنوات في المرفأ من دون أيّ إجراءات وقاية... ولقد كانوا يعلمون ...

وما ترتّب على ذلك من آثار قاتلة على صحتنا النفسيّة وإمكانيّة حصولِنا على فرص لعيش حياةٍ شبه طبيعيّة ومُمكنة.

"عفى الله عن ما مضى" كانت كفيلة لإِسكات صوتَ حقيقة ِما جرى يومها لتصبح شوارع بيروت ملقى لآهالي شهداء جمعتهم نار الفساد التي أزهقت معها أرواح أبنائِهم باحثين عن حقيقة لن يجدوها!

فلقد دفنت في نعوش من غابوا عنا !

لا يختلف اثنـان علـى أنّ الجيل الصّاعـد هـو عمـاد التغيير والمحرّك الأساس للتنميـة الاجتماعيـّة والاقتصاديـّة، وأيّ استتثمار في الشـّباب يعـدّ اسـتثمارا في مسـتقبل الوطـن.

ومـع ذلـك، يشيـر الواقـع إلى أنّ الشـباب اللبنـاني إمّـا عاجـز عـن تحدّي المنظومة السياسـيّة القائمـة ضمـن النظـام السياسـي اللبنـاني البـالي أو أنّـه غير راغـب في ذلـك.

فالمشكلة الجوهريّة تستتر في انقسام الشباب اللبناني، بين الجناح المهاجر الناجح من مثقفين ومثقفات ذوات مؤهلات عالية حلّقوا بحثا عن آفاق أرحب لطموحاتهم، لمساندة ذويهم او استثمار أموالهم في بلدهم الأم الثكلى المثقلة بشتى انواع الاوجاع يوما ما، فلا يتوقعن أحد من هؤلاء الشباب العودة ولا المشاركة في محاولة تغيير واقع بلدٍ مهترئ مُخلّع، بل هم مجرّد أصول مفيدة يُهدف منها تسويق صورة اللبناني المحترف الناجح، رائد الأعمال أو الطبيب أو المهندس الخ...

أما الجزء الثاني فيضمّ الشباب الغير متعلّم_والمتعلم الذي لا يتمتع بمهارات كافية واعتبرته السّلطة مجموعة ذات نزعة تخريبية يجب مراقبتها والتحكم بها وبقرارها. فقدّمت لهم فرص العمل (توظيفات الادارات العامّة سابقا) والخدمات الاجتماعية (التي هي في الأصل من حقوقهم). ليواجه من تبقّى من شباب الفساد الّذي تجلّى حاليًّا بقرارات الحكومات المتعاقِبة (أضحوكة ميزانيّاتها لسنين مضت) قرارًا يمنع ايّ توظيف اضافيّ في المرافق العامة لِعدم إمكانية دفع رواتب من هُم اصلًا في ملاكِها، حتى تستطيع تأمين فرص جديدة مع مستحقاتها وما يتبعها من ضمان صحيّ اجتماعيّ وتربويّ الخ..\

فابحرت مراكب الموت المشرّع ،حاملة هجرة غير شرعيّة ردّا على الحال ،لِتُمسي هي باب الأمل طمعًا في العيش والعمل تحت ظروف ٍمُضنية بُغية إنعاشِ مَنْ تركوهم على شواطىء الحِرمان، إذا اعتبرنا انّ الحظّ حالَفهم ونجَوْا !

هذه الأزمة غير المسبوقة والتي يترنّح تحت ثِقلها غالبيّة اللبنانيّين منذ اندلاع ثورة 17 تشرين حتّى اليوم أَعدمت آفاق وآمال شبابه وجعلتها مُلبّدة ،باهِتة ، ومُكلّلة بلامبالاة سّامة لديهم ولدى مَن هُم في المبدأ مؤتمنين ومسؤولين عن شعبٍ شبع حدّ التّخمة وعودا كاذبة وشعارات لم يبق منها سوى بقايا إعلانات على الطرقات وعلى شاشات تأتمر بمن ناطقيها.

شبابنا ورثوا من آبائهم وأجدادهم الكثير من الكرامة ... وماذا جنَوْا؟

حصدوا حُصرمًا من طبقة سياسيّة تربّعت على عرش بلاد الأرز منذُ اكثر من ثلاثين سنة.

دمّرت كلّ جميل....عافت خرابًا في الأرض... .نهبت موارد بلد برمّته.

فصدّرت خيرة شبابه ،لتختَتِم إنجازاتها بالسكوت عن مواد قاتلة خُزِّنت نتراتا كان كفيلًا بتمزيق الوصال بين شبابِ لُبنان وامهاتهم اللواتي استقبلن أشلاء جثامين أفلاذِ أكبادهنّ ملفوفين بعلم شهادة لم يطمحوا لها ولا اختاروها طوعًا ولا دربا بل تمّ قَتلُهم عن سابق تصوّرٍ وتصميم !

ومـع ذلـك، فهـؤلاء الشـبّان والشّـابات ليسـوا محصّنين ضدّ النظام الطائفي الذي شبّوا في إطاره هم وعائلاتهم الكبيرة. وفي الوقت الذي يطمـح فيـه العديـد بيننا إلى قيـام دولـة مدنيّة حديثـة ويدعون عبـر وسـائل التواصـل الاجتماعـيّ إليهـا، نرى بعضهم يواصل التمـاس الخدمـات مـن زعيـم طائفته ويسـاهم تاليـًا في ترسـيخ النظـام الزبائـني القـديم..

إنّ غيـاب الحسّ المدنيّ لـدى الشّباب وسـط هذه التحديّـات هو افتقـاره إلى الفـرص الاقتصاديّـة (تصنيف لبنان في المرتبة ١١ عربيًّا في ارتفاع نسبة البطالة حسب احصاءات منظّمة العمل الدوليّة مؤشرات 2023).

فَكَيف لِلشباب اللبنانيّ أن يُواجه أزماته الاقتصاديّة والماليّة والاجتماعيّة المعيشيّة , والأمنيّة والصحيّة بمفرده؟ كيف له أن يتجاوز المعوقات التي تَمنع عَيشه بِكرامة في ظلّ نظامٍ سياسيّ ذي طابع طائفيّ تُهيمِن عليه الأحزاب السياسيّة الطائفيّة الّتي تَتَنافَس أمامنا وتَتَكامل في آنٍ واحدٍ في غيابنا؟

ففي النهاية الحلّ يَكمُن في التربيّة على المُواطَنَة وتحديد معالِمها وأهدافٍها لِيكون للأفراد الثقة في هويّتهم من خلال تحمّل المسؤوليّات الاجتماعيّة (المشاركة في الانتخابات)،ودعم التضامن والعدالة. فأهميّة التربيّة أنّها عمليّة ضروريّة للفرد والمجتمع حيثُ تَعمَل على تنمية الإنسان في جميع النواحي ليكون فردًا صالحًا لمجتمعه وبالتالي فتتطوّر الشّعوب وترقّيه اجتماعيًّا واقتصاديًّا عاملٌ أساسي في بناء الدّولة الحديثة.

هذه سلسلة مترابطة تبدأ من التنشئة الأسريّة ،تُستكمَل في المدارس والجامعات ولا تنتهي عبر وسائل التوجيه والاعلام تحقيقًا لرسالة سامية تهدِف ببناء الأوطان على أسسٍ لا تُزعزِعُها الرّياح..

علّنا ننام ونستفيق ..على وطن ...